اعتذار "بي بي سي" وسحب اعتذار "المنار"

الأربعاء 2013/12/11

«نحن نعتذر لكم» هكذا قابل جيمس هاردينغ مدير الأخبار في هيئة الإذاعة البريطانية أمس 850 من المشاهدين الذين أبدوا استياءهم من التغطية الاستثنائية و»المبالغ فيها» لخبر وفاة نيلسون مانديلا، وعدم إعطاء الوقت الكافي لأخبار العواصف التي ضربت الساحل الشرقي لبريطانيا.

رقم 850 من المشاهدين وفق حساسية «بي بي سي» ليس ضئيلا أبدا، لأنهم جميعا يدفعون ضريبة سنوية مفروضة على كل منزل يمتلك جهاز تلفزيون، ولم يكن وفق أي حال من الأحوال أن يتجاهل مدير الأخبار ذلك الانزعاج من المشاهدين، في وقت يمكن أن نجد مقابلا عربيا يعطي جانبا من صورة الإعلام لدينا، متمثلا في تراجع حزب الله اللبناني عن اعتذار إدارة قناة المنار عن معالجتها لأخبار البحرين بانحياز!

اعتذار «بي بي سي» وسحب الاعتذار من قبل «حزب الله»، معادلة قائمة في الإعلام المعاصر، يفترض ألا تمر على المراقبين دون تحليل مضامينها.

الخطاب السياسي أكثر التفسيرات الجاهزة لسحب «حزب الله» اعتذاره وتوبيخ الإدارة الإعلامية التي قدمت مثل هذا الاعتذار، وهو بالتالي نتيجة لا تقبل التأويل عن طبيعة وأجندة إعلام هذا الحزب اللبناني الخاضع كليا لإيران.

أما اعتذار مدير الأخبار في هيئة الإذاعة البريطانية، فيمكن تفهمه وفق قيم الأخبار المعلنة في «بي بي سي»، هاردينغ نفسه قال إن «بي بي سي» تعد نفسها «أفضل مؤسسة صحفية في العالم» وعليها تحمل هذه المسؤولية، بينما حزب الله اعتبر اعتذار إدارة قناة المنار وإذاعة النور للبحرين «تقديرا خاصا» بالإدارة ولا يمثل سياسة الحزب، القائم على الطائفية الدينية.

اعتذار جيمس هاردينغ لمن يعتقد من مشاهدي «بي بي سي» بأنها لا تقدم ما فيه الكفاية عن أحوال الطقس في بلد متقلب الطقس، يستحق التأمل، مثلما يمنح فرصة جديدة لمعرفة لماذا هيئة معروفة بحساسيتها العالية للأخبار، منحت كل هذه المساحة من وقت البث لتداعيات وفاة نيلسون مانديلا.

لأنه وفق هاردينغ لا ينظر إلى مانديلا كشخص محدود الأهمية، بل إنه أكثر رجل دولة أهمية خلال السنوات المئة الماضية. ولا أحد يحتاج إلى تفصيل ممل عن ذلك، اسمه اقترن بالحرية والعدالة والمصالحة والغفران. وأهمية حياته ومناسبة وفاته واضحتان للغاية بالنسبة إلى محرري الأخبار.

بالمقابل يمكن تلخيص احتجاجات مشاهدي «بي بي سي» بأنها منطلقة من أن أهمية الأخبار يجب أن تكون من الأماكن التي يعيشون فيها وليس البعيدة، ولا يرون أن موت مانديلا كان مفاجئا، بصفته رجلا مسنا ومريضا، كي تخصص له كل هذه التغطية.

وبطبيعة الحال، يبقى اعتذار «بي بي سي» قائما لمشاهديها بنفس مستوى اختلاف تقدير أهمية الأخبار بين مشاهد وآخر وبين مؤسسة إعلامية وأخرى، لكن الاعتذار «عندهم» وسحب الاعتذار «عند حزب الله» درس إعلامي لم تنته مضامينه، وسيتكرر بـ»الضرورة» في إعلام يضع أجندته الحزبية والطائفية فوق موضوعيته.

18