اعتذار متأخر لجحا: لست دائما محقا

ماذا لو لم يفلح جحا في إحدى قصصه، هل كان سيتغير مصير الأجيال؟
الاثنين 2020/01/20
لن أكون مثلك

أنت لست بخير طالما لم تتبع تعليماتي وما أرشدك إليه. لا أرفض تلك التعليمات ولكنني لا أستطيع التحرك قيد أنملة إلا بعدما أفرغ من مهامي يا أمي، اذهبي أنت حبيبتي ولا تشغلي بالك بي، كبرت بما يكفي لرعاية نفسي في ساعة من ليل، أنا قلقة عليك للغاية من كثرة السهر، وما المخاطر التي تتربص بي والجميع يغطون في نوم عميق، وأنا وحدي مع جهاز اللاب توب والورقة والقلم، أتخافين أن يمتصني الجهاز وأضيع وسط أيقوناته؟!

رغم كلماتك الساخرة وحديثك المستهزئ لن أتركك وحدك في هذه الساعة المتأخرة وعتمة الليل، لكنني أسميها هدأة الليل، إنجازي فيها يفوق بكثير ساعات النهار جميعها.

إنه الليل المخيف يا بني، ثم نحن كائنات نهارية. نم مبكراً، واستيقظ مبكراً. فالعقل السليم يا بني في الجسم السليم، إطالة السهر تنهك الأجساد وتضعف العقول، في الليل غالبا ما ينشط الأشرار، كم من الأرواح تاهت وانطفأت في الليالي الظلماء.

هذا الحديث وأكثر منه بكثير كان يعاد بلا ملل كل ليلة في بيوت الكثير منا على مدار سنوات الدراسة، في مواسم الامتحانات، وخلال سنوات العمل الأولى التي مكثناها في بيت العائلة قبل الزواج أو الاستقلال بطريقة ما.

حين يفكر أحدنا في العمل خلال الدراسة، أو ممارسة هوايتين في وقت واحد، تعلو صيحات الرفض، ملقين في وجهنا بالمثل القائل: صاحب بالين كذاب، وصاحب ثلاثة منافق. على الرغم من أن الحقيقة أن صاحب البالين ذكي، وصاحب الثلاثة عبقري استطاع التوفيق بين متطلباته، وصاحب الأربعة مبدع، قادر على توظيف وقته، والاستفادة من كل دقيقة فيه.

هكذا تعلمنا وتربينا أجيالاً تسلم أخرى الراية، والجميع مستسلم، تربينا على حِكم وأقوال مأثورة في كتب التاريخ والأساطير، نوادر جحا وحكايات كليلة ودمنة، ارتفعت إلى مصاف التقديس، أصبحت لدى بعضهم ترتفع قداستها عن قداسة الكثير من التقاليد والأعراف، باتت وبلا مبالغة لدى قليلين في مصاف الكتب السماوية المقدسة ذاتها!

يا ويلتي، هل نوادر جحا هذه ومقولاته المأثورة استعمرت عقول وأدمغة أهالينا حتى باتت تحكم تصرفاتهم وتصرفاتنا بالتبعية، يربوننا بها ويطعموننا أحرفها كل يوم، نرضع مفرداتها مع حليب الطفولة؟

ماذا لو لم يفلح جحا في إحدى قصصه، هل كان سيتغير مصير الأجيال؟ سؤال يبدو صادماً، لكنه جدير بالبحث والتحري وإيجاد إجابة تحترم العقل. لو لم يتهمه الجيران زورا بالاستدفاء بنارهم البعيدة في ليلة شتوية قارسة البرودة، لما أشعل شمعة هزيلة تحت قدره العملاق وانتظر تسوية اللحم لإطعامهم وفاءً لما أجبر عليه، وما ظللنا نصمت في بعض المواقف الكبرى ثم نلوح بكلمات شاحبة من بين السطور.

لو وقف جحا وقتها صريحا وتشجع على الرد في نفس اللحظة، لو صرخ فيهم بأن نيران الحطب المشتعل بالجوار لا ينتقل دفؤها لأحد الجيران، وإنما هي خرافة يراد بها الإيقاع بالطيبين، لانتهى الأمر ونجونا من محاولات كثيرة للإيقاع بنا.

لا أقول إننا لسنا عاديين، لا نألف الأساطير، وتهوى أرواحنا دعابات الماضي السحيق بلا تغيير، ولكن مشاعرنا دائما تركن إلى ما ألفينا عليه آباءنا، هم استراحوا لتلك المقولات؟ نعم. إذن هي بليغة، ورائعة، فيها ثراء لغوي وإبداع تعبيري، تطل منها رائحة الأجداد، ويفوح بين عباراتها عبق الماضي والزمن الجميل.

هكذا نحدث أنفسنا غالبا تبريراً للخيارات الكسولة، لماذا نبحث في الجديد وهم سبقونا إلى حمل ثقل التفنيد والمناظرة وتجنيب الصالح بعيداً عن الطالح؟ نرى أن إدارة الظهر لتجارب وحكم ومأثورات السالفين خيانة للتاريخ، يا ويلتي، فلماذا نتعلم إذن؟ ولماذا نقرأ طالما استراحت العقول للكسل اللذيذ وتعليق الأمور في رقبة جحا، وكم من جحا يسكن زوايا البيوت؟

وهكذا نحن أمهات هذا الزمن نقول لأبنائنا لا تخوضوا تلك التجارب فقد خضنا مثلها من قبل ونريد تجنيبكم عبأها، تتملكهم روح المغامرة العنيدة، أسمع صوت ابني المراهق مداعباً: لا أريد احتساء عصير تجاربكم الرائعة، استمتعوا أنتم بخلاصة عصائر غيركم، أما أنا فأرغب في أن أنال ضربات كفوف الزمن بمجهودي الشخصي، ولن أقدم الاعتذار لجحا.

21