اعتزال على المباشر

الجمعة 2015/03/20

جدل كبير أثاره اعتزال الفنانة التونسية، حياة جبنون، على الهواء مباشرة في أحد برامج “التوك شو” الحوارية بقناة تونسية خاصة، فبين من اعتبر الأمر عاديا، نظرا إلى تواتر اعتزال فنانينا في زمن التحجير والتكفير والتفجير، وبين من رأى في طريقة الاعتزال على المباشر، بروباغندا مدروسة من فنانة تبحث عن فرقعة إعلامية في برنامج يحظى بنسب مشاهدة عالية.

اعتزال الفنانين ليس بالظاهرة الجديدة في عالمنا العربي، فالقائمة طويلة ومديدة، ولكلّ أسبابه منها ما عُرف وأكثرها ممّا خفي، إلاّ أنّ الجديد هذه المرّة، في بلد يقلّ فيه الإنتاج الغنائي إلى درجة الخواء، هو أنّ اعتزال فنّانة يُعدّ أمرا مثيرا للتساؤلات؟

حياة جبنون، نموذجا وليس تخصيصا، فنّانة كغيرها ممّن يقدّمون فنّا أشبه بالاستعراض الخفيف والبسيط، ويلاقي رواجا كبيرا في الحفلات الخاصة والأعراس، لكنّه يُستهلك في حينه، ثمّ يُنسى مع أوّل “هزّة وسط” جديدة على نغم أكثر صخبا ممّا سبقه.

وهذا النوع من الغناء “السندويتش” لا نفع له، فهو يضرّ بصاحبه قبل متلقيه، لأنّه لا يؤسس لفنّ حقيقيّ حمّال لرؤى وقيم جماليّة، بل هو فنّ اللحظة العابرة لمناطق حبور آنية، تنتهي مع فضّ مجلس الفرح.

وعزت الفنانة أسباب قرار اعتزالها إلى الوضع الفني المتردّي في تونس، والابتزاز الذي يتعرّض له الفنّان من بعض الملحنّين ومؤلّفي الأغاني، وخاصة من متعهّدي الحفلات الذين ينتحلون صفة الوسيط بين الفنّان وصاحب الفرح، فيقبضون “عربون” الفرح عوضا عن الفنان، وبقية الحكاية معروفة، طبعا.

هذا ما أقرّت به صاحبة أغنية “عسّولة” عن بعض أسباب اختيارها الاعتزال في العلن، والأكيد أن ما تحفّظت على ذكره أشمل وأعمق.

قالت الفنانة من جملة ما قالت “أريد أن أعود حرّة”، وكأنّها كانت ترتكب إثما بامتهانها الفنّ! وأردفت “أريد أيضا أن أرضي رغبة أبي باعتزالي، قبل وفاته”، وهذا تأكيد آخر على النظرة الدونيّة لبعض أهالينا إلى أرقى أنواع المهن، وإن تحدّث فنّان بهذه السلبيّة عن مجال يعشقه، وراكم فيه تجربة فنيّة تناهز عشرين عاما، فلا غرابة إذن من ازدراء العامّة للفنّ، بدءا بتحقيره، ثمّ تكفير ممارسيه أصلا.

سيّدتي، قبل أن تندمي عن قرار اعتزالك الحياة، وما الفن إلاّ الحياة، إليك هذه المقولة الرائعة للفيلسوف الهولندي دسيدريوس إيرازموس “من يتقن فنّ العيش مع نفسه لا يعرف البؤس”.

صحفي تونسي

17