اعتقال القروي يضع الانتخابات الرئاسية التونسية على صفيح ساخن

خشية مُتصاعدة من تسييج المشهد السياسي في تونس بمعادلات خطيرة.
الأحد 2019/08/25
خطوة قد تأتي بعكس أهدافها

تونس – أدخلت عملية توقيف نبيل القروي، رئيس حزب “قلب تونس”، والمُرشح للانتخابات الرئاسية التونسية، بتفاصيلها وإيحاءات رسائلها، المشهد السياسي التونسي في دائرة القلق المُتصاعد، ووضعت الاستحقاق الانتخابي الرئاسي المُقرر في منتصف الشهر القادم، على صفيح ساخن تتدحرج فيه المواجهات السياسية بسرعة قياسية على وقع خطابات تصادمية حادة.

ولا تُخفي الأوساط السياسية في البلاد، خشيتها من تداعيات هذه الخطوة، ليس فقط على السباق الرئاسي المُرتقب، وإنما أيضا على مُجمل مسار الانتقال الديمقراطي الذي لا يكاد يتجاوز عقبة حتى يصطدم بأخرى، وبعراقيل وفقا لمقاسات سياسية وحزبية أملتها مُتطلبات حسابات انتخابية خاطئة.

عياض اللومي: القروي وحزب "قلب تونس" يتعرّضان لتصفية سياسية
عياض اللومي: القروي وحزب "قلب تونس" يتعرّضان لتصفية سياسية

وألقت قوات الأمن التونسية، بعد ظهر الجمعة، القبض على نبيل القروي، وهو رجل أعمال معروف ومؤسس القناة التلفزيونية الخاصة “نسمة تي.في”، على مستوى الطريق السريعة الرابطة بين تونس وباجة (شمال غرب)، بمقتضى مذكرة اعتقال صادرة ضده، وذلك بعد شهر ونصف الشهر من اتهامه بتبييض الأموال والتهرب الضريبي.

وأكدت وزارة الداخلية التونسية أن مذكرة الاعتقال صادرة عن محكمة الاستئناف بتونس العاصمة، وقالت في بيان لها إن فريقا تابعا للإدارة العامة للأمن الوطني تولى عملية الاعتقال طبقا للإجراءات القانونية المعمول بها في مثل هذه الحالات، وإيداع المعني بالأمر السجن المدني بـ”المرناقية”.

وكان القضاء التونسي قد قرر، في بداية الشهر الماضي، تجميد أموال نبيل القروي، إلى جانب منعه مع أخيه غازي القروي من السفر خارج البلاد، حيث أشارت النيابة العامة في بيان لها، إلى أن قاضي التحقيق بالقطب القضائي الاقتصادي والمالي، وجه “مجموعة من التهم لكل من نبيل القروي وغازي القروي، منها غسل الأموال، وذلك بناء على الأبحاث التي تمت بشأنهما”.

وقبل صدور تأكيدات وزارة الداخلية، اتهم حزب “قلب تونس” السلطات الرسمية بـ”اختطاف”، ثم اعتقال رئيسه نبيل القروي، مُعتبرا في بيان له أن ما تعرض له رئيسه يُعد “حلقة في سلسلة من الممارسات الفاشية اللاديمقراطية التي تذكر بأسوأ أنظمة الاستبداد”.

ودعا كل “الطيف الديمقراطي للالتقاء والتحرك لإيقاف هذه الممارسات التي تجاوزت كل الحدود ضاربة بالأعراف والتقاليد والقوانين الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان عرض الحائط”.

وفرضت هذه الخطوة التي يرى مراقبون أنها غير محسوبة العواقب، إيقاعها على مجمل المشهد السياسي في البلاد الذي بدأ يدفع بتحولات جديدة بقياسات سياسية على المقاس، تقوم على تطويع أجهزة الدولة لتصفية الحسابات، الأمر الذي أثار جدلا صاخبا، يُرجح أن ترتفع وتيرته خلال الأيام القادمة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي من لحظاته الحاسمة.

وعكس هذا الجدل الذي تباينت فيه الآراء والمواقف، قلقا كبيرا تبدو أسبابه كثيرة ومُتعددة وباتت تُسيج المشهد السياسي في البلاد، بمعادلات خطيرة تفتح بوابات نحو المجهول، لاسيما وأن هذه الخطوة ترافقت مع إخضاع رئيس حركة “نداء تونس”، حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، إلى عملية تفتيش وُصفت بـ”المُهينة” في مطار تونس قرطاج الدولي.

الأزهر العكرمي: من يُخالف القانون وحكم المؤسسات، لا يُعفيه الترشح للانتخابات
الأزهر العكرمي: من يُخالف القانون وحكم المؤسسات، لا يُعفيه الترشح للانتخابات

واعتبر عياض اللومي، القيادي في حزب “قلب تونس”، خلال مؤتمر صحافي عقده السبت، أن “ما تم لا يخرج عن دائرة إرباك المسار الانتخابي، ذلك أن ما تعرض له نبيل القروي، هو عملية ‘تصفية سياسية مُمنهجة’ تقف خلفها أطراف سياسية تُهيمن على الحكم في البلاد”.

ومن جهته، قال راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية “لا يسرنا هذا الاعتقال، ولا يسرنا تعطيل أي حزب أو أي مسؤول حزبي.. نحن أمام زمن سياسي، وزمن قضائي، ونخشى أن يختلط الزمنان ونحن حريصون على التمييز بين الزمن القضائي والزمن السياسي”.

وفي المقابل، دعا المكتب التنفيذي لحزب “آفاق تونس” السلطات القضائية إلى توضيح خلفيات اعتقال نبيل القروي، خاصة وأنها “تُثير إشكاليات ومخاوف جدية بخصوص استقلالية السلطة القضائية، وإمكانية استعمال الحكومة لأجهزة الدولة لإقصاء المنافسين السياسيين”.

وطالب في بيان له رئيس الحكومة يوسف الشاهد المُرشح بدوره للانتخابات الرئاسية، إلى “التقيد بدولة القانون والمؤسسات، والعمل على التسريع بالبت في القضايا الكبرى مثل شبكات التسفير والتهريب وما يعرف بقضية الجهاز السري وعدم اعتماد معيار الانتقائية حسب الولاء والمصالح والتحالفات الحزبية”.

وضمن هذا المشهد الذي يأخذ فيه المناخ الانتخابي سياقا يتسم بالكثير من التوتر، لم يتردد الوزير السابق، الأزهر العكرمي، في القول لـ”العرب”، “إنه يتعين وقف هذا الجدل، وخاصة تلك الاتهامات الموجهة للحكومة، وكذلك أيضا الخطابات ‘الشعبوية’ التي تستثمر في المظلومية، والزج بها في مربع المنافسة الانتخابية”.

وشدد على أن من يُخالف القانون، “لا يُعفيه الترشح للانتخابات.. كما أن التخفي وراء الترشح للانتخابات والبحث عن حصانة، من شأنهما ضرب المسار الانتقالي، وبالتالي لا بد من التقيد بالقانون وحكم المؤسسات وسيادة القانون حتى وإن تضارب مع المصالح الشخصية والحزبية”.

ومع ذلك، تُجمع القراءات السياسية التي رافقت التعليقات على هذه التطورات، أن تداعيات عملية اعتقال نبيل القروي، بتوقيتها الصاخب، وطريقتها الاستعراضية، ستُلقي بما تنطوي عليه من رسائل سياسية، بظلال كثيفة على الانتخابات الرئاسية وكذلك أيضا التشريعية، لتشكل بذلك مشهدا لمُنعرج جديد يصعب التكهن بالمسار الذي سيتخذه في قادم الأيام.

Thumbnail
1