اعتناق الأوروبيين للإسلام يزيد مخاوف الأسر من التشدد الديني

اعتناق الشباب الأوروبي للإسلام استغلته الحركات الجهادية لتجعل منه مصدرا لجهادييها في مناطق الصراع، وهذا الاهتمام بهؤلاء الشباب نابع من وقوعه تحت تأثيرات أطروحات حركات الإسلام السياسي المتطرفة ذلك أنه أصبح أشبه بالعجينة التي يسهل تشكيلها وفق مخططات هذه الحركات ما جعل العائلات في أوروبا تخشى من تحول هذا الإقبال على اعتناق الإسلام سبيلا لتصاعد وتيرة العنف والتشدد الديني داخل مجتمعاتها.
الأربعاء 2015/08/26
داعش يستثمر في الشباب الأوروبي المسلم حديثا لجعله خزانا لعناصره الجهادية

نشرت صحيفة “لوموند” الفرنسية مؤخراً تقريراً يتحدث عن تنامي اعتناق الشباب الأوروبي وخاصة الفتيات للإسلام. الأمر الذي أصبح ظاهرة تمثل محل قلق لدى الحكومات الأوروبية، والتي أعلنت ذلك صراحة في أكثر من مناسبة، حتى ذهب تصريح أحد المسؤولين الألمان، إلى الإشارة بأن الإسلام قد يكون دين الأغلبية في أوروبا إذا استمر في الانتشار.

على الجانب الآخر يثير هذا ردود فعل ومخاوف الأسر والعائلات الأوروبية من أن ينتقل أبناؤهم إلى التشدّد ثم الالتحاق بالتنظيمات الجهادية، وهو ما جعل الأمر محل نقاش وجدل في أوروبا، بين حرية الاعتقاد وتهديد ثقافة وكيان القارة الأوروبية.

يبلغ عدد المسلمين في أوروبا حوالي 70 مليون نسمة، يتعايشون كجزء من النسيج الاجتماعي لدولهم، على الرغم من التضييق والمشاكل التي يواجهونها بسبب معتقداتهم.

وتشير الإحصائيات التي أجراها معهد “بيو” حول المسلمين، إلى أنه من المتوقّع أن تصل نسبة المسلمين في أوروبا إلى حوالي 10 بالمئة من السكان بحلول عام 2030، وذلك بسبب زيادة نسبة المسلمين في أوروبا حالياً والمتوقّعة مستقبلاً.

ومع زيادة أعداد معتنقي الدين الإسلامي في أوروبا، تحوّل الأمر إلى ظاهرة أخذت أبعاداً جديدة منذ التسعينات، بفضل الحضور الواسع للإسلام في فرنسا، والديناميكية الاجتماعية التي يتميّز بها المسلمون، وتنوّع الدوافع التي تشجّع الأوروبيين على اعتناق هذه الديانة، ما أدى لانتشارها في صفوف أبناء المهاجرين، والشباب الأوروبي المنتمي لعائلات غير مسلمة.

تتشارك العديد من العائلات الأوروبية في المخاوف والقلق، بسبب ارتفاع نسبة الشباب الذي اعتنق الإسلام ثم التحق بصفوف تنظيم الدولة والجماعات الجهادية الأخرى، ومنه على سبيل المثال بيبيت، وهي أم أسبانية تنحدر من عائلة كاثوليكية، تفاجأت باعتناق ابنتها ألكسندرا الإسلام، ما أدى إلى تغيّرات كبيرة في أسلوب ونمط حياتها، ما جعل بيبيت تواجه صعوبات في التواصل معها، وتخشى أن تتحوّل إلى ارتداء النقاب ثم تلتحق بتنظيم الدولة.

الشباب المقبل حديثا على الإسلام يكون عرضة للتأثيرات السلبية، لأنه يحاول تعلم دينه من مصادر غير موثوق فيها

ويرد على تلك المخاوف، د. خالد عبدالمحسن، أستاذ أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر، بأن الملتحقين بتنظيم الدولة في العراق وسوريا هم أقلية مقارنة بالعدد الإجمالي للمسلمين في أوروبا، موضحاً أن أعداد مَنْ التحقوا بالتنظيم يتراوح بين 70 ألفاً إلى 120 ألفاً، من أصل ملايين المسلمين في أوروبا، لافتاً إلى أن الاستراتيجية الإعلامية للتنظيم سعت إلى تضخيم أعدادهم، من أجل تسليط الضوء على نجاحها في استقطابهم، وهو ما أدى إلى تضليل الرأي العام وربط فكرة اعتناق الإسلام بالانتماء لتنظيم الدولة.

ويضيف عبدالمحسن: تنظيم الدولة شوّه فكرة اعتناق الإسلام في أوروبا، بسبب استثماره للعديد من الأوروبيين الذين التحقوا به واستغلالهم في الدعاية الإعلامية.

وعن مشاعر الضيق التي تنتاب عائلات المسلمين الجدد، يقول الأسقف جون كورتوديار، مسؤول العلاقات مع الإسلام في أسقفية “سين سان دوني” بفرنسا، إن هناك ردود فعل سلبية لدى العديد من الأسر، تصل إلى حد الشعور بالخوف من أن يتحوّل ذلك إلى تعصّب وتطرّف ديني، في ضوء هالة العنف التي تحيط بالإسلام والمسلمين، حيث أن الشباب المقبل حديثاً على الإسلام يكون عرضة للتأثيرات السلبية، لأنه يحاول تعلّم دينه من خلال مصادر غير موثوق فيها، بعيداً عن أجواء المساجد والمراكز الإسلامية التي يكون الخطاب الديني فيها معتدلاً.

تنظيم الدولة شوه فكرة اعتناق الإسلام، بسبب استثماره للعديد من الأوروبيين الذين التحقوا به في العنف الديني
محذّراً من مغبة غياب الحوار والتواصل بين الأسرة والأبناء، حتى يتفهّم كل طرف مواقف ودوافع الطرف الآخر.

البروفسور علاء الدين مفعلاني الباحث الاجتماعي في جامعة مونستر للعلوم التطبيقية أعد دراسة حول عدد من الشباب الذي ارتبط بالمشهد السلفي في ألمانيا. يقول في مقابلة نشرتها “دوتشه فيله” الألمانية إجابة عن سؤال كيف يستطيع المجتمع أن يمنع الشباب من الانخراط في المجموعات الأصولية؟

إن هذا أمر صعب، فهؤلاء لا يشعرون أنهم جزء من المجتمع الحالي. بغض النظر عن المكان وأين يوجد الناس، ويرون أنّ العالم ينظر إلى المسلمين دائما باعتبارهم ضعفاء، وما يوحّدهم اليوم هو مفهوم مفاده “بما أننا لا نأخذ ديننا مأخذ الجد، ولا نعيش بصرامة حدوده كما كان الأمر قبل 1400 عام، فإننا نلعب دور الضحية. وبمجرد أن نحمل ديننا وحياتنا محمل الجد، سنستعيد قوتنا”.

ويضيف: من الصعب أن نكسر هذه الحلقة، لأنّ الحركة قد استقرت، وأقامت شبكة علاقات كبيرة، والسعي لتفتيت هذه الشبكة أمر بالغ التعقيد. وفي اعتقادي أن هذا الأمر سيستغرق عقدا أو عقدين من الزمن.

13