اغتصاب شرعي

الاثنين 2014/12/29

زينب بنت العاشرة مازالت في حكم القانون وكل الأعراف طفلة، يعاملها أهلها كقاصر يجب التفكير بدلا عنها، فلا تملك عقلا راجحا ولا فكرا واعيا ولا شيئا من هذا القبيل، فقط بلوغا مبكرا وجسدا فائرا لطفلة تحتضن دمية مصنوعة من أقمشة بالية.

منذ سنوات وهي تجلس في “حجر” أمها أمام بوابة العقار على دكة خشبية قديمة تخشى التحرك وسط السيارات المتراصة حتى لا تصفعها أيادي أصحابها، تنتفض في برد الشتاء ولا يرحمها سوى ملابس قديمة من بعض ساكني العقار، تعلو وجهها ابتسامة عريضة ونظرة اشتهاء لا تملك الإفصاح عنها وهي تشاهد أطفال الشارع بزيهم المدرسي الراقي، ومع هذا فليس التعليم هو غايتها الكبرى، ولم يكن أهم أحلامها يوما. فكل ما تحلم به “سريرا” يرتفع عن الأرض.

أمرّ عليها يوميا وأشعر بمسؤولية ما تجاهها، ولكن لا أعلم بماذا أساعدها بعد رفض والديها إلحاقها بالمدرسة رغم عرضي تحمل جميع نفقات دراستها، كل ما أستطيعه هو بعض الجنيهات والملابس التي أعلم ضآلتها الكبيرة أمام فرصة الدراسة التي أضاعها والديها.

فجأة صعدت لي تطلب مني حضور “فرحها”، تساءلت، فرح من؟

حفل زفاف أحد الجيران؟ لماذا لم يدعوني بنفسه، فضحكت ضحكة جميلة كشفت عن أسنانها الصغيرة وهي تقول: فرحي أنا، سأكون عروسا أرتدي فستانا أبيض وطرحة جميلة، وعدتني أمي بشراء “عروسة بتقول ماما وبابا”.

تعجبت من سذاجة زينب ومن منطق والديها المبتور، اصطحبتها إلى غرفة “حارس العقار” وبعد مناقشات عقيمة لا طائل منها، في حوار طريقه مسدود مسبقا، انتزعت اعترافا عائليا بكونها طفلة. وتساءلت كيف لطفلة أن تعي مسؤولية حياة زوجية، وعبء زوج يكبرها بخمسة أضعاف عمرها، ولكن إصرار أهلها لم يكن من النوع الذي يلين. يعاملونها كطفلة في كل شيء، ويزوجونها كبالغة رشيدة.

تركتهم بعد عجزي عن إثنائهم أمام إغراءات المال لأسرة فقيرة تكافح من أجل البقاء. وتذكرت أن بمصر 16660 جمعية حقوقية، وثلاثة ملايين من الأعضاء، ومراكز إيواء تستعد نهاية كل عام لتقديم ميزانيات سنوية بأرقام فلكية من أجل إصلاح حال المرأة، يرتدي أعضاؤها الملابس الفاخرة، وينادون بتحسين أوضاع المهمشين، ويقيمون مؤتمراتهم بقاعات كبرى الفنادق لمساندة المرأة الفقيرة، يضعون دراسات جدوى بمكاتبهم المكيفة، ويتشدقون بأن عدد الجمعيات الحقوقية بمصر فاق عددها بأكبر الدول الأوروبية.

لقد تناسوا أن الحركات النسائية والمنظمات الحقوقية هي حاجة اجتماعية تفرضها ظروف المجتمعات الحاضنة لتلك الكيانات، فقد تكون قليلة العدد بالدول المتقدمة اقتصادياً وفي مجال حقوق الإنسان، تلك الدول التي نالت القدر الأكبر من الحرية والمساواة ونالت نساؤها النصيب الأوفر في الرعاية والاهتمام، ولم تشوه نساءها بالختان والقهر، ولم تلوث عقول بناتها بكونهن عبيدا للرجال.

وكثيرة العدد بالدول التي ينادي سلفيوها بتزويج الأطفال للعجائز، والتحايل على القوانين بدعوى الستر والشرع “والشرع منهم براء”، ثم يشذب أصحاب الذقون ذقونهم، ويتعطرون بدموع الأطفال، ويصافحون المهنئين في حفلات الأعراس، أقصد “جريمة الاغتصاب الشرعي”.

21