اغتصاب عشتار يكشف عن طبيعة الصراع بين العقائد القديمة

تقوم الأسطورة السومرية على فكرة الخلق، وعلى وظائف سحرية وأيروسية تنتعش فيها عقائد الخصب، والتحولات التي تستغرقها تمثلات الألوهة المؤنثة، بوصفها تخصيبا للحياة، وتأويلا لعلاقاتها ولطقوسها الدينية والجسدية، بكل ما تنطوي عليه من رموز تمتزج فيها عناصر الخصب ووظائفه الجنسية، مع عناصر الطبيعة بوصفها المجال الذي تتحفّز فيه هذه الوظائف في سياقها الأسطوري.
السبت 2017/05/20
الأساطير السومرية وأسرارها

يؤسس كتاب الباحث العراقي ناجح المعموري “الجنس في الأسطورة السومرية” مشغله البحثي على مقاربة دلالات الجنس في هذه الأسطورة، من خلال ألواحها، أو من خلال محيطها الديني الحافظ للوظائف والطقوس، تلك التي تتجوهر حول ثنائية الخصوبة والخطيئة، فضلا عن كشفها لمظاهر الصراع بين القوى الحاكمة والقوى المعزولة.

اغتصاب عشتار

في مقدمة الكتاب، الصادر أخيرا عن دار المدى ببيروت، يشير الباحث المعموري -عبر حفرياته النصوصية- إلى خصوصية الأسطورة السومرية، وإلى علاقتها بالمقدّس، وبـ”طقوس الجنس التي صارت فعلا إلهيا” تلك التي تتنوع وظائفها في الاحتفالات الكبرى، وفي مراسم العبادة والقرابين والأناشيد، وفي الإشارة إلى ما تتمتع به رمزية الآلهة إنانا/عشتار، بوصفها حاملة الوظيفة المقدسة للخصب، ولرمزيته الجنسية، ولمعرفة التشكلات القديمة للفكر العراقي ولتمظهراته الدينية.

قسّم المعموري كتابه إلى خمسة أقسام انحنت على معالجة موضوع الجنس في الأسطورة السومرية من خلال حادثة اغتصاب إنانا/عشتار، فهي تكشف عن طبيعة الصراع بين العقائد القديمة، وبين صور الهيمنة التي تتمركز فيها السلطة في ظاهرتها الدينية والاقتصادية والجنسانية.

شمل القسم الأول “أسطورة إنانا وشوكاليتودا/ أو اغتصاب عشتار” قصة نزول الآلهة عشتار إلى الأرض، لـ”التفريق بين الأشرار والأبرار” لكن اغتصابها من البستاني/ المزارع شوكاليتودا يعيد توجيه الأسطورة لتكون تمثلا للصراع الأزلي بين السماء والأرض، بين المقدس والمدنس، وبحثا عن الخلاص المديني، حيث يلجأ المزارع والجماعة والإخوة في بلاد سومر، وهي تورية لقوة هؤلاء الإخوة “أصحاب الرؤوس السود” في مواجهة غضب الآلهة.

طقوس البحث عن مُغتصِب المقدس، تقابلها طقوس التطهير والخلاص من الخطيئة، والهروب إلى المدينة، بحثا عن الاجتماع، والمعرفة، والسحر، وحتى الأناشيد وتشييد المعابد/ الزقورات، بوصفها وسائط حمائية لمواجهة الخطيئة.

يضعنا الباحث في الفصل الثاني أمام العناصر المكونة للأسطورة، بدءا من الإلهَيْنِ إنكي وعشتار والقوى غير الإلهية، إذ يتبدى الصراع عن مظاهر حاكمة تنعكس في الطبيعة، وفي العلاقات الداخلية التي تكوّن العقل الأسطوري، فضلا عن توصيف “العناصر الأخرى، الداخلة في نسيج الأسطورة وهي النخلة وشجرة الصفصاف والغراب”، وهي عناصر متواترة الحضور في أساطير الخلق والخصب والموت و”كشف الطالع” في الديانات القديمة، مثلما هي عند السومريين، وفي أساطير الخلق عند حضارات وادي النيل، وعند البابليين.

الأسطورة صراع أزلي بين السماء والأرض وبين المقدس والمدنس

وفي الفصل الثالث يعمد الباحث إلى مقاربة “العمق الفكري للعلاقة القائمة بين إنانا/عشتار والمزارع، والتوصل إلى الجذور الأولى في الأساطير العراقية القديمة”، إذ تُمهد هذه المقاربة لفحص التعالقات الجنسوية التي مهّدت للتحول من الوحشي إلى الإنسي كما في شخصية أنكيدو في ملحمة كلكامش، وعند شخصية ديموزي في سياق علاقته الجنسية مع عشتار، والتي تؤكد فرضية الجنس بوصفه علامة الخصب والإيصال والتوالد، والتي نجد آثارها الطقسية والاحتفالية إلى اليوم عبر احتفالات وطقوس الزواج، وطقوس الحصاد، بوصفها علاقات ذات شفرات إيروسية مع الجسد والطبيعة/الأرض، والتي تتعالق مع أساطير الخلق الإلهية ذاتها.

الإلهي والإنساني

في الفصل الرابع يستدرجنا الباحث إلى “أسئلة قراءة الأسطورة” حيث البحث عن علاقة نشوء الأسطورة بالطبيعة، وهل أنّ البستان بوصفه سرّ العالم الطبيعي كافٍ لتفسير فكرة النشوء؟ وما هي علاقة هذا البستان مع الجسد، بوصفه بيت الطعام، أو بيت الخلوة؟ وهل أنّ الفكرة العراقية عن الأسطورة وعن أنسنة الآلهة في الطبيعة تكفي لاستحضار سلطة البستان ودلالته؟

هذه الأسئلة هي مدخل القراءة، إذ يقول الباحث “البستان مُقدّس، ومختلف عن الأماكن الأخرى، لأن قدرة الإله إنكي تبدت فيه، وأضفت عليه قداسة خاصة منحته إمكانية الاتصال مع السماء”.

هذا التوصيف يكشف عن توصيف آخر للقداسة التي تخصّ المكان، فهو بدلالته الرمزية يتحول إلى فضاء حر، مثلما يعني الخلوة والخلاص والمتعة، وهذه التوصيفات والوظائف تُحيل أيضا إلى تقديس فكرة الخصب من جانب، وإلى تدنيس فكرة الاغتصاب من جانب آخر.

المعموري يشير عبر حفرياته النصوصية إلى خصوصية الأسطورة السومرية، وإلى علاقتها بالمقدس

ألوهة وأسطرة المكان/البستان/الغابة هي ميدان هذا الصراع بين المُقدّس والمُدنّس، والتي هي جوهر كل الحضارات البشرية، فهي مكان نزول عشتار، وانبعاث ديموزي، مثلما هي بيت أنكيدو في الملحمة، ومكان قتل خمبابا أيضا، مثلما هي مجال الحماية عند جماعات الفايكنك، وعند قبائل الزولو، وعند الشعوب الآسيوية.

وبقدر ما يحمل مجاله الحمائي من معانٍ، فإنه أيضا يأخذ في الأساطير معاني تشي بالخلق، فهو “سرة الأرض” كما عند السومريين حيث النزول المقدّس لعشتار إلى العالم السفلي، وهو- أيضا- بيت الثمار والتوالد، والتمثل الحقيقي لأفكار التلقيح/الخصب، ولأنسنة المعيش، حيث البشر والآلهة، وحيث فعل الاغتصاب الذي حدث بين عشتار في الأسطورة العراقية وبين الفلاح شوكاليتودا.

وفي الفصل الخامس “عتبات القراءة الأخيرة” يعيد الباحث رسم التعالقات ما بين الثنائيات، حيث الطبيعة والجسد، وحيث الجسد الإلهي والجسد البشري، وحيث وظائفية المزارع والراعي، وحيث الاغتصاب والرغبة، وكلها تستدعي تأويلا جنسيا، بوصف الجنس هنا هو الرمز الأعلى للإيصال/الإيلاج والخصب.

فاغتصاب إنانا قام على فعل الإيلاج، وهو تعبير عن تعالق أنسنة الإلهي، مع ألهنة الإنساني، حيث أخذت ابنة المزارع صفات ألوهية، وبشرية في آن واحد، مثلما أنّ علاقة المزارع في المبنى الأسطوري السومري تقوم على تأويل جنسي لفعل الحفر والاتصال والبذر، وهو الدلالة ذاتها التي يكتسبها الماء/الري/الإشباع في هذه الأساطير.

16