اغتيال الأدباء.. جريمة الدكتاتورية والأيديولوجيات الطائفية

 الأدباء والمفكّرون والفنانون والحقوقيّون يبقون سفراء اللاعنف في عالم متوحش يعج بالعنف والاضطراب والإجرام.
الجمعة 2020/07/10
قتلة الليل لا يمكنهم هزم النور (لوحة للفنان يوسف عبدلكي)

ينتعش اغتيال الأدباء في ظلّ الأنظمة الوحشية، ولدى العصابات الطائفية المافيوية التي تجد في الكلمة الصادقة والحرّة خطورة كبرى عليها، لذلك تسارع باللجوء إلى الأسلوب الذي تتقنه، والذي يناسب بنيتها الإجرامية، وهو التنكيل بأصحاب الرؤى والآراء المختلفة والناقدة والمعارضة بالقضاء عليهم، وجعلهم عبرة لغيرهم ممّن قد يقتدون بهم أو يسيرون على نهجهم.

يبدو أنّ مسلسل اغتيالات الأدباء يجدّد فصوله في مواسم القتل والعنف والكراهية هنا وهناك، ولا يجد سبيلاً إلى وضع نقطة لهذه التراجيديا الإجرامية التي تكرّر نفسها على أيدي متوحّشين قتلة، وبأقنعة ظلامية مختلفة، كلّ مرّة.

لا يروم القتلة والمجرمون حين اغتيال كاتب أو مفكّر أو أديب أو فنّان، قتله فقط، وإن كان هذا الغاية الأولى والرئيسة لهم، بل يكرّسون الإجرام والوحشية بترويع الآخرين الذين قد يخطر لهم أن يسيروا على نهج الشخص الذي يتعرّض للاغتيال، فتراهم يعملون على نسف الأفكار وتشويهها بعبثية يائسة بعد قتل أصحابها..

سلسلة انتقامية متناسلة

يعيد مقتل العراقي هشام الهاشمي، الذي كتب عن الشؤون السياسية وتنظيم الدولة الإسلامية ودور الفصائل المدعومة من إيران في العراق، إحياء ظاهرة اغتيالات الأدباء والمفكّرين والفنانين والحقوقيين، ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة، وفي كلّ مكان يتمّ فيه استهداف الكلمة الحرّة الساعية إلى مناهضة الاستبداد والوحشية والإجرام.

ففي العام الماضي حين اغتيل الروائي والأستاذ الجامعي العراقيّ علاء مشذوب بأسلوب مافيويّ انتقاميّ، وبعد الانتقاد الكبير من جميع أطياف المجتمع لذاك الإجرام، تفاءل البعض بسذاجة ممزوجة بنوع من إنكار الواقع المأساويّ أنّ الاغتيال المدوّي ذاك قد يشكّل نقطة على طريق وضع حدّ لمثل هذه الجرائم، لكن ما جرى ويجري يؤكّد استحالة القضاء على مثل هذه الظاهرة المتغلغلة في بنية العصابات الإجرامية التي تجد في الكلمة الناقدة والمعرّية لها ولممارساتها الوحشية خطراً كبيراً عليها، لذلك لا تكترث بأيّ شيء، وتقترف جرائمها تحت جنح الظلام، وبدم بارد، ومن دون أدنى إحساس بالمسؤولية أو أيّ تقدير للقيمة الإنسانية.

يمكن تذكّر سلسلة من الاغتيالات التي استهدفت أدباء وفنانين في عدد من الأماكن، كحادثة اغتيال رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير ناجي العلي (1937 – 1987) في لندن سنة 1987، التي شكّلت صدمة كبيرة حينها للوسط الأدبي والصحافي والفني العربي والعالمي.

وفي لبنان اغتيل المفكّر اللبناني حسين مروة (1910 – 1987) في منزله ببيروت في فبراير سنة 1987 على أيدي ميليشيات طائفية إجرامية لم تتقبّل الفكر النقديّ الحرّ الذي يكشف سوءتها وعريها وأكاذيبها فسعت إلى إسكاته بوحشية، وبعد أشهر من اغتيال حسين مروة، وفي مايو اغتيل كذلك المفكّر اللبناني مهدي عامل (1936 – 1987) الذي كان بدوره صوتاً مناهضاً للطائفية والعنصرية والإجرام، على أيدي “أطراف مجهولة” هي معلومة ومفضوحة للشارع اللبناني.

اغتيل عدد من الكُتّاب والصحافيين والحقوقيين في تركيا لمناهضتهم قمع السلطات التركية المستبدّة، ومن هؤلاء مثلاً الكاتب الكردي موسى عنتر (1920 – 1992)، الذي اغتيل في 20 سبتمبر 1992 في مدينة ديار بكر ذات الغالبية الكردية في جنوب شرق تركيا. وكان موسى عنتر من أشدّ المدافعين عن حرية الأكراد وثقافتهم طوال حياته. وبحسب جهات كردية فإنّ الجهة التي تقف وراء اغتيال موسى عنتر هي مخابرات الدرك الوطني ومكافحة الإرهاب، وهي قوة شبه عسكرية مثيرة للجدل، تنتمي إلى “الدولة العميقة” السيئة السمعة في تركيا.

وكان المحامي طاهر ألجي (1966 – 2015) كذلك أحد ضحايا الاغتيالات في تركيا، وقد كان أحد المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث قتل في حادث إطلاق نار عام 2015 في ديار بكر؛ المدينة نفسها التي اغتيل فيها موسى عنتر.

تكريس الإجرام والوحشية بترويع الآخرين
تكريس الإجرام والوحشية بترويع الآخرين 

كما اغتيل الكاتب والصحافي الأرمني هرنت دينك (1954 – 2007) سنة 2007، على يد متشدّد قومي تركي اسمه أوغون ساماست، وكان هرنت دينك رئيس تحرير صحيفة آكوس ويدافع عن المصالحة بين الأرمن والأتراك.

وكذلك دأب نظام الملالي في إيران على اغتيال عدد من الأدباء والمفكّرين والنشطاء الحقوقيين، داخل إيران وخارجها، كحادثة اغتيال عبدالرحمن قاسملو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في فيينا – النمسا عام 1989، واغتيال الشاعر والفنان فريدون فرخزاد في منزله بألمانيا سنة 1992، واغتيال الكاتب كاظم سامي سنة 1988، وغيرهم كثيرون ممّن استهدفتهم مخابرات الملالي جراء مواقفهم المعارضة، وآرائهم الداعية إلى الانتصار للحقوق والحريات.

وفي السنوات الأخيرة اغتيل في سوريا عدد من الأدباء والكُتاب ومنهم الكاتب والسياسي الكردي مشعل التمو (1957 – 2011) الذي قتل على أيدي مسلّحين “مجهولين” في القامشلي سنة 2011، كما قتل رسام الكاريكاتير السوري الشهير أكرم رسلان داخل سجون النظام سنة 2013، وكشف مؤخّراً عن قتل الكاتب والمؤلف الدرامي البارز عدنان الزراعي تحت التعذيب في سجون النظام، والذي وجدت صورته بين حوالي 55 ألفا قضوا في سجون النظام السوري، سرّبها منشق عن النظام يعرف باسم قيصر.

وفي مصر اغتالت الجماعات التكفيرية المتطرفة المفكّر فرج فودة (1945 – 1992) في جريمة هزّت مصر والعالم العربيّ برمّته حينها، وأظهرت بؤس التكفيريين ووحشيتهم تجاه مَن يقوم بتعريتهم في الواقع.. وبعد ذلك كانت محاولة اغتيال الروائي الراحل نجيب محفوظ (1911 – 2006) الحائز جائزة نوبل (1988) سنة (1995) على يد تكفيريين جهلة غسلت أدمغتهم وتمّ شحنهم بالحقد والكراهية.

عجلة العنف والوحشية

يمكن التأكيد عبر التاريخ على أنّ البقاء للكلمة، وأنّ الحقّ لا يموت بالتقادم، ولا عبر إسكات الناطقين به والمصرّحين عنه والساعين إليه من السائرين على دروب الحرية والإنسانية، هؤلاء الذين لا ينصاعون للتهديد والوعيد، ويواصلون كشف الزيف والتضليل، مع يقينهم أنّهم يواجهون قوى ظلامية لا يمكن أن يردعها أيّ رادع عن أيّ إجرام.

لا يقتصر القتل على الجانب الجسدي فقط، بل يتحوّل إلى آلية لسفك دماء لاحقة ممّن يمكن أن يختط خطّ المغتال نفسه، وكأنّ عجلة العنف والوحشية تجدّد نفسها مع كلّ دورة، أو مع كلّ جيل من أجيال المتوحّشين الظلاميين، سواء كانوا من المختبئين في الجحور، أو في القصور.

يتجلّى الاغتيال كمحنة مديدة للقاتل المتناسل هنا وهناك، والذي يغيّر أقنعته ووجوهه تبعاً للظروف والأمكنة والمناصب التي يحتلّها، لكنّه يحمل في الصميم تلك اللعنة الأبدية بالإجرام، اللعنة التي تظلّ ملتصقة بجبينه طيلة التاريخ.

يدرك القاتل في قرارة نفسه أنّه أضعف من أن يواجه مَن يغتالهم بالوعي والحقائق والوقائع، فتراه يلتفّ على كلّ شيء، ويمضي في درب الدماء الذي يزيّن له سلطته أو يكرّس حكمه القمعيّ الذي ينهار رويداً رويداً عبر النخر المستمرّ فيه من قبل الجبن والخوف والرعونة التي تلوّث بنيته وتسمّم كيانه وكينونته.

يبقى الأدباء والمفكّرون والفنانون والحقوقيّون سفراء اللاعنف في عالم متوحّش يعجّ بالعنف والاضطراب والإجرام، وهم لا يتنازلون عن أدواتهم السلمية في مناهضة عنف المجرمين، يدوّنون ما يكشف عريهم، ويوثّقون جرائمهم التي يكونون شهوداً عليها، ويدفعون ضريبة ذلك أن يصبحوا شهداء الحقيقة والفكر والضمير.

من المسلّم به أنّه لا يمكن إخفاء الحقائق باغتيال المفصحين عنها والناطقين بها، كما لا يمكن تغطية الشمس بغربال، لأنّ الكلمة الصادقة المسؤولة تستمدّ قيمتها وديمومتها من أصالتها وحقيقتها، وليس فقط من التزام أصحابها بها، ومن هنا فإنّ مسلسل الاغتيال يجب أن يستدلّ إلى نقطة نهاية لأنّه يفسد المجتمعات ويكرّس الجبن والجهل والإجرام فيها، وهذا لا يستقيم مع حركة الواقع والتاريخ بأيّ شكل من الأشكال.

إلى متى ستستمرّ هذه الظاهرة الكارثية بالتفاقم في الشرق الذي يعاني كثير من بلاده من الاستبداد والطغيان، سواء طغيان بعض الأنظمة الحاكمة، أو استبداد رجالات الدين والعصابات الطائفية التي تقدّم نفسها على أنّها خلائف الله على الأرض، ويمكنها أن تأمر بالموت على أحدهم لمجرّد اختلافه عنها ومعارضته لها..؟

14