اغتيال الأمنيين واغتيال العقل في تونس

السبت 2013/10/26

بالتوازي مع اغتيال شهداء تونس في الشعانبي قبل بضعة أشهر وضباط الحرس في منطقة قبلاط قبل أسبوع واحد، ومقتل ستة ضباط من الحرس الوطني بمنطقة سيدي بوزيد في يوم 23 أكتوبر الجاري، والمشفوع بمصرع عون أمن بمدينة منزل بورقيبة في نفس اليوم، علاوة على اغتيال المناضلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، العقل يُغتال كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة.

عقل المعلم والأستاذ وعقل الطبيب وعقل المصرفي وعقل الإعلامي وعقل السياسي وعقل الكاتب وعقل المواطن مهما كان تكوينه العلمي والثقافي، ومهما كان انتماؤه السياسي يغتال على مرأى ومسمع من العالم كافة. وكأنّ تونس تم تسويغها لمدة غير محدودة زمنيا لجهةٍ أو لقوةٍ سريالية بِنِية أن تجرَّب فيها كل أصناف الحوادث وكل ألوان العذاب، المادي والمعنوي، التي من الممكن أن تصيب إنسانا.

قد يكون السبب الرئيس في عملية الاغتيال الكبرى، اغتيال العقل، هو العداوة الشديدة التي نشأت بين السلطة الحاكمة حاليا، وكل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والفكريين والسياسيين. ففي مجال التعليم لم يعد المرء يسيطر على المناهج التي يُفرض تعليمها فرضا على الناشئة. وفي باب التديّن ها هو مفتي الديار التونسية يخلط الحلو بالمرّ ويحمّل الزعيم بورقيبة أوزار الإرهاب. وفي المجال الصحي لا يكاد المواطن يصدق عودة الأوبئة التي استؤصلت قبل عقود خلت. وفي القطاع البنكي والمالي لا أحد يعلم علم اليقين ما الذي حدث للنظام المصرفي وإلى أيّ مدى سيقاوم الناس غلو المعيشة وتقهقر قيمة الدينار؟.

أما في الميدانين الفكري والسياسي فالكارثة أعظم والمصاب جلل. ولا يحتاج المرء إلى دراسة معمقة ليميط اللثام عن عاهات الفكر والتفكير والسياسة وممارستها. فالقاعدة المشلة واضحة وجليّة. يكفيك أن تقبل بأن يُغسل دماغك بمادة مذهبية ذائعة الصيت على غرار الإسلامية أو الفرنكوفونية أو دين العلمانية حتى تتبدد كل قدراتك على التفكير المنطقي وما يتطلبه من مهارات مثل المعاينة والملاحظة والتحليل والنقد والدعم والاستنتاج والاستدلال والاستقراء والتأليف والتلخيص وغيرها، فتلقى نفسك في الجهالة سابحا، عن المعلومة مفصولا، وعن سياق الواقع معزولا، وعن قواعد المناظرة والمناقشة والمفاوضة صائما.

لا يهم إن كان اغتيال العقل سابقا لاغتيال العباد أو إن كان العكس هو الأصح، بل الذي لاشك فيه هو أنه بقدر ما يتم المساس بقداسة العقل ما يتولد الميل إلى تنفيذ العمليات الإرهابية، سواء كان ذاك ضد أمنيين أو عسكريين مباشرين لوظيفتهم الشريفة أم ضد سياسيين أم ضد مثقفين أم ضد مدنيين عزل.

إنّ تونس الجميلة، التي كانت مبتسمة على مدار الساعة وفاتحة ذراعيها لضم كل أنماط الثقافة إلى صدرها، أضحت معقلا للعنف والجريمة المنظمة وقلما يحلو فيها العيش. تونس التي كانت تضيّف الملايين من السياح سنويا، صارت تطارد أهاليها الشبان جوا وبحرا لتُرسي بهم طائراتهم وقواربهم في بلاد الغربة.

مَن المسؤول عن كل هذا وإلى أين نحن ذاهبون؟ حزب النهضة أم الدولة العميقة أم الحكومة أم النخبة أم الشعب أم ماذا؟

مهما يكن من أمر ومهما كانت مسؤولية كل واحد من تلكم الأطراف يبقى الإنسان حمالا لأوزار أساسية لا تحمِلها لا المؤسسات ولا الأحزاب ولا الجمعيات. وهذا الإنسان في تونس اليوم يعرف وضعا مزريا، وهو بالتالي بحاجة لمراجعة ذاتية قبل مراجعة السياسيين لطلباتهم وقبل صياغة برامج التنمية الاقتصادية والرقي الاجتماعي.

بالنهاية إنّ سلامة الأمنيين والناس أجمعين رهنٌ بسلامة العقل ومعافاته من كل أنواع التسلط الذاتي. وإذا استتب الأمن وحلّ الأمان حينئذ يبدأ البناء


كاتب تونسي

9