اغتيال الجيش اللبناني بسيف القداسة المسلط

الأربعاء 2014/08/06

وصف رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام حرب الجيش اللبناني ضد المسلحين في جرود عرسال أنها “مقدسة”. كذلك فعل الجميع بأشكال مختلفة فصار الجيش خارج المجال العام. تحول من مؤسسة ينتجها المجتمع للدفاع عنه، إلى بنية علوية تقع خارج القراءة والنقد والتصنيف والمحاسبة.

لحظة القداسة هي لحظة انبثاق المستحيلات. تقديس الجيش اللبناني يضعه في هذا المقام فيصبح مصنع إنتاج للمستحيل، وتاليا يصبح أي سؤال خيانة عظمى.

كل قداسة تقتات على القرابين، وغالبا ما تمثل الوقائع الأضاحي المثالية التي يعشقها المقدس. هكذا جُلبت قطعان الوقائع المرة وراحت تُذبح بشكل جماعي، ولكن هذه الوقائع احتفظت بحقها بقول ما تشاء قبل إعدامها، جريا على عادة قديمة كان فيها المشرفون على الموت تعذيبا يمنحون الحق في قول ما يشاؤون، حتى إذا كان شتم الأمير أو الكفر والتعرض للذات الإلهية.

مُنحت الوقائع المشرفة على الهلاك هذا الحق، فقررت أن تقول كل شيء دفعة واحدة.

قالت الوقائع إن قوافل مسلحي حزب الله كانت تعبر الحدود لمشاركة بشار الأسد في حربه ضد الشعب السوري تحت أنظار الجيش اللبناني، فكان من نتيجة ذلك أن أعادت هذه الحدود الكثيرة الثقوب إنتاج من دخل عبرها على هيئة “داعش” و”جبهة النصرة”.

وقائع أخرى يبلغ عمرها عدة سنوات قالت إن الجيش اللبناني لم يحم بيروت من اجتياح مغول الفرس اللبنانيين للعاصمة واستباحتها والتنكيل بأهلها. أخرى قالت إن الجيش تحول في مناسبات عديدة إلى قوة مساندة لحزب الله في معاركه.

قالت وقائع أخرى إن الجيش قد تبنى توصيف الحزب الإلهي للإرهاب الذي يحصره في خصوم الحزب وفي الطائفة السنية، فراح يتصرف ميدانيا انطلاقا من هذا الوصف، ويقوم إثر كل توتر أمني بإلقاء القبض على عشرات الشباب السنة، والتعامل معهم كما يليق بإرهابيين.

أتت وقائع أخرى على ذكر اسم نادر البيومي الذي قضى تحت التعذيب على يد الجيش. وقائع أخرى حديثة تقول إن ميليشيات “حركة أمل” قامت بالتنكيل بالسوريين في مناطق المصيطبة وسواها، حيث تم إخراجهم من أماكن سكنهم تحت تهديد السلاح وإهانتهم وتفتيشهم بطريقة مذلة تحت أنظار الجيش اللبناني.

وقائع أخرى أعلنت أن معركة جرود عرسال كانت مسبوقة بتحريض غير مسبوق من قبل إعلام الأسد وحزب الله ليس على الإرهابيين ولكن على عرسال.

كل ما يجري في المنطقة يرتدي ثوب المقدس، فحزب الله برر مشاركته جيش بشار الأسد في قتل السوريين بالدفاع عن العتبات المقدسة. التقطت الكاميرات كذلك مشاهد إجبار الناس على السجود لصورة بشار الأسد والاعتراف بألوهيته ووحدانيته.

قداسات كثيرة تمارس رقصها المجنون في جغرافيا العبث التي تشكل بلادنا، وتشترك جميعها في نزعة المحو التي تمارسها كتعبير عن ذاتها.

تمحو القداسات التفاصيل وتقتل الوضوح، وتركز فقط على صورة واحدة تتضخم إلى ما لا نهاية. هكذا عندما نقدّس شهداء الجيش فإننا نضعهم في مجال الإهدار، فالحرب إذا ما صارت مقدسة، فإن عدد الضحايا يصبح شأنا لا أهمية له، أما إذا خلعت عنها ثوب القداسة وعادت إلى مجال العادي لتكون حربا ضد الإرهابيين فقط، فإن المشهد يختلف تماما. يصبح التقاط وتحديد دور كل شهيد في إنجاز الهدف واضحا ومسجلا ومحتفظا بخصوصيته ومعناه.

القداسة بنية هدر دائم ومفتوح، ومتى ما سكنت خطاب الحرب فإنها تعلن عن انطلاق مجزرة مفتوحة لا مجال فيها لتحديد المسؤوليات، ونسب الضحايا إلى معاني واضحة فيتساوى دم القتلة بدم الأبرياء من أهل عرسال ودماء شهداء الجيش.

من هنا لا يمكن للجيش أن يتبنى مفهوم القداسة فالجيش ليس حفنة من الانتحاريين الذين لا يقيمون وزنا للحياة. فكرة القداسة التي تسيطر الآن على صورة الجيش تستبطن تناقضا مفزعاً إذ إنها تساويه بـ”جبهة النصرة” و”داعش”، حيث أن عناصر هذين التنظيمين يقاتلون بطريقة مجنونة لا تقيم وزنا لعدد القتلى انطلاقا من تبنيهم منطق الدفاع عن المقدس أو محاولة إحيائه. هؤلاء لا يحسبون ولا يخططون ولا يبالون بحياتهم.

زج الجيش في معركة غير محسوبة واعتبار مهمته مقدسة، يعني أن كل مفاهيم الحرب الميدانية وعناصر الاستراتيجيات ملغاة وكذلك البعد الأخلاقي. تقديس المهمة يرتبط بمفهوم “مهما كان الثمن”. تاليا تصبح حياة الجنود لا قيمة لها، ويزجون في وضع مماثل للسلوك الانتحاري لـ”داعش”.

من هنا نقول إن دم جنود الجيش وضباطه يستحق منا تعريفا واضحا لا تسمح بمثله فكرة القداسة بل تحوله إلى التباس. هل يسقط شهداء الجيش من أجل أن يصبح قائد الجيش رئيسا للجمهورية، وفي سبيل أن يستكمل حزب الله انتصاراته على عرسال والمناطق السورية، كما يروّج منشدوه، أم يسقطون من أجل أن تكون هناك جمهورية في الأساس لا يكون فيها أهل عرسال وغيرهم رهينة أهواء الحزب الإلهي الفارسي؟

مهمة الجيش هي أن يصنع بلادا قابلة للعيش، وإذا كنا الآن قد أصبحنا على يقين أن العيش ليس ممكنا مع “النصرة” و”داعش”، فإن هناك يقينا سابقا وشديد الإحكام يقول أن لا جيش ولا عيش تحت ظلال مغامرات حالش.


كاتب لبناني

8