اغتيال الجيش بكواتم الصوت

الجمعة 2015/07/31

كان المقدم ربيع كحيل وحيدا في مواجهة القتلة المسلحين بمسدسات مزودة بكواتم للصوت. لم يكن ينطق باسم مؤسسة وباسم الوطن، ولا باسم أي شيء. كان فردا أعزل في مواجهة مجموعة من المسلحين.

لحظة موته كانت لحظة استقالته من “العامّ” الذي قضى، كما يبين سجله، جل عمره في خدمته. أدخله موته في “خاصّ” جعله فقيد العائلة، وحوّل موته إلى مأساة عائلية تطال طفله الرضيع وأرملته وعائلته وحسب.

كان الإشكال الذي دفع بالشباب من آل ضو إلى قتله، فرديا تسبب في موت فردي، وها هو تلقيه في الفضاء اللبناني يبدو مبالغا في فرديته.

القتلة كانوا أفرادا ينتمون إلى جماعات وينطقون باسمها، ويقتلون تحت سطوة حمايتها ورعايتها، في حين أن المقدم كان فردا منفردا. كنا نعتقد، وكان هو يعتقد أنه ينطق ويمثل مؤسسة يقال إن دورها هو ضمان الأمن والأمان للجميع.

القتلة لهم كرامتهم في بلاد العار المفتوح. هم مجرد متهمين. هم كائنات لاتزال تحظى بالحماية الحقوقية، ووجوب مراعاة مشاعرهم ومشاعر بيئتهم الحاضنة. أسماؤهم لا تنشر كاملة بل بالأحرف الأولى. والد أحدهم، الذي صودف أنه رئيس بلدية، يدعو ولده إلى تسليم نفسه ويفيد بأن أخباره انقطعت وأنه توارى عن الأنظار بعد جريمته. شاعت أخبار تفيد بأن الجاني أصبح خارج لبنان. رئيس البلدية يصرح بأن الحق على الطرفين، وأنه لا يمكن أن يكون على طرف واحد وأنه رغم ذلك يدعم المؤسسة العسكرية.

المسؤولية إذن موزعة على الطرفين بالتساوي. هكذا يكون المقدم الراحل مسؤولا عن موته والقاتل مسؤولا عن حياته، أما فعل القتل نفسه فإنه ليس سوى العلاقة التي تربط كلا من الطرفين بدوره في هذا البلد. القتل هو مهنة ووظيفة القتلة، كما أن الموت هو مهمة الضحايا. ربما يكون من حق القتلة وفقا لهذا التنظيم الواقعي لمسار الأمور أن يطالبوا بمحاكمة أي قتيل يتأخر في ممارسة الموت بتهمة إعاقة سير العدالة.

شهدنا فجأة مع اغتيال المقدم كحيل تراجعا لفورة الصباط العسكري التي غطت صفحات التواصل الاجتماعي. بدا الصباط الذي كان مرفوعا فوق الرؤوس خارج التداول. تحول فجأة إلى حذاء شخصي لرجل ميت تقتصر حدود دلالاته الرمزية على كونه بعضاً مما تركه الفقيد لأسرته من ذكريات، أو ربما تعود ملكيته للمؤسسة العسكرية كي تضمه إلى سجلاتها التوثيقية الأرشيفية.

أحيل الصباط العسكري، مع اغتيال المقدم كحيل، إلى التقاعد المبكر. أجبر على الاستقالة من منصب الدعس الذي كان يحتله. تحول إلى مجرد شاهدة قبر متخفية، يستقيم معنى وجودها في أنها غير قابلة للاستعمال.

السؤال الذي يلقيه في وجوهنا، بفظاظة، اغتيال المقدم كحيل هو هل الجيش موجود فعلا؟ وهل هو ممكن الوجود أساسا؟

التعامل مع جريمة قتل الضابط حين يقارن بتعامل الجيش مع حالات مختلفة يبدو ضعيفا وعاكسا لهشاشة مرعبة في وسط المؤسسة التي يجب أن تمثل عنوان القمع المشروع والقانوني الأوحد في البلاد.

بدت المؤسسة التي كنا قد شاهدنا بعضا من أفرادها يمارسون التعذيب، ويتخطون المعايير القانونية والسلوكية في العديد من المرات تحت عنوان الحفاظ على الأمن، وكأنها قد تخلت عن دور القمع، لصالح دور المطالبة بتحقيق عدالة يفترض أن تكون هي ضمانتها.

للقتلة أهل يصرحون علنا بدل أن يكونوا رهن الاعتقال والمساءلة. امتناع الجيش عن اعتقالهم يحرمه من أن يكون جيشا في الأساس، ويجعل صورته تسكن في مشهد الاعتداء على المقدم كحيل حيث يبدو فردا أعزل في مواجهة حشد من القتلة.

كاتب لبناني

8