اغتيال المجتمع الخليجي

الخميس 2013/12/19

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت من خصوصية أي مجتمع مجرد وهم يتعلق به أولئك الحالمون بأن رياح التغيير لن تصلهم لأنهم يمتلكون تلك الخصوصيات. القراءة المتأنية لرياح التغيير التي هبت على الشرق الأوسط وكيفية استغلالها لتصدير الثورات وخلخلة القناعات المجتمعية والتركيبة الفكرية لها، تبيّن أن هناك عملية اغتيال منظمة للمجتمعات المعنية بالحدث أدّت إلى تسهيل عملية الاختراق الشاملة لها ومن ثمّ تجيز التغيير لصالحها.

دول الخليج العربي مستهدفة في هذه المرحلة بشكل لافت للنظر، وتجري محاولات اختراقها عبر صناعة قناطر مجتمعية تحاول من خلالها التنظيمات السياسية والحركية الوصول إلى الفوضى التي تؤدّي إلى السيطرة ثم الحكم. هذه الدول وخاصة السعودية تعاني من انتشار المفهوم الأممي على حساب الوطن. وهذا المفهوم هو الأداة المؤثرة على شريحة مجتمعية لا يستهان بها نشأت على هذا المفهوم وترعرعت في أطنابه لثلاثة عقود جعلت منه قاعدة انطلاق قوية لمشروع اغتيال المجتمع.

وقد أنتجت الزيادة السكانية التي شهدتها السعودية في العقود الأخيرة تنوعا في الأفكار وارتفاعا في حجم الاختلاف إضافة إلى دخول قيم سلبية وأخرى إيجابية، مما يعني ضرورة تقنين الشريعة واستحداث قوانين واضحة وصريحة وصارمة لتنظيم، أولا، الجدل المجتمعي والفصل في ما يندرج تحت حرية الرأي وفـــــي ما يندرج تحت التحريض أو التخوين والتهديد وإلخ.. وهذا الأمر يُقــــابلُ برفض أســـــاطين التنظيمات بحجة حرية التعبير. ثمّ، ثانيا، تحديد عقوبات رادعة وقوانين واضحة لمواجهة السلبيات الوافدة، ولكنها تُواجه أيضا بالرفض تحت حجج واهية كما هو الحال مع المطالبة بقانون واضح ومحدّد لمواجهة التحرّش الجنسي.

ورغم أن هذه القوانين مستمدة من الدستور الأسمى والأرفع، إلا أن عملية تقسيم المجتمع إلى طوائف فكرية ومذهبية ذات أهداف متعارضة يجعل من القبول بتلك القوانين مستحيلا ما لم تصدر من فئة مجتمعية بعينها. هذا لأن الدين هو أسهل الطرق لإثارة الشك لدى طرف معين و”مَلْأكَةِ” آخر، وهو ما يضمن نجاح صناعة الصراع.

وعودة إلى ما أشرت إليه من تقسيم للمجتمع، فإن أهمّ ما يتمّ زرعه والعمل على تأكيده بكل الوسائل لترسيخ التقسيم المجتمعي واستمراره وعدم نجاح أيّ التقاء حواري، يتمثل في التأكيد على أن أحد طرفي الصراع الفكري يدّعي قبول الآخر، ولكنه لا يطبقه فعليا مما يجعل أي اختلاف من أي نوع تأكيدا لهذه الفكرة عند من استُزرعت لديه، وبالتالي بقاء المسافة بين الطرفين كما هي. ومنها كذلك زراعة فكرة ضرورة التعامل مع الطرف الآخر بمبدأ الشك في نواياه وأهدافه، أي بطريقة “المتهم مذنب حتى تثبت براءته” والتي لن تثبت إلا بتخليه عن رأيه لصالح رأي الآخر. وبين هذا وذاك الحث على اتباع مبدأ “وأغلظ عليهم” أثناء بحث أي اختلاف في وجهات النظر، مما يعني تحويل ساحة الفكر إلى حلبة صراع ديكة يتسيد فيها صاحب الصوت الأعلى لا صاحب الفكر الأرقى. وعلى مستوى الجهاز الحكومي أو الرموز الحكومية وضمن سياسة خلق مسافة بين الحكومة والشعب يتم العمل على تدمير مصداقية شخص أو أشخاص معينين أو جهة حكومية معينة من خلال استثمار المعلومات التي لدى التنظيم، أو التي تمكن من الحصول عليها عن ذلك الشخص أو تلك الجهة المستهدفة، ونشر الأكاذيب أو المعلومات المبنية على المغالطات أو الهادفة للتضليل وعادة ما يكون الفاعل مجهولا. ويعتمد نجاح هذه الطريقة على الأثر الذي تتركه في البيئة الاجتماعية المحيطة بالهدف. وهذا نلاحظه في حجم ونوع الشائعات التي يتمّ الترويج لها من فترة إلى أخرى، والتي تساهم في هز الثقة بين المواطن وحكومته.

وقد يقوم التنظيم من خلال أحد أعضائه القادرين والمؤثرين، أو من خلال علاقة العضو بالجهة المستهدفة ومدى متابعته لها باستغلال أيّ فشل أو مشكلة مع الجهات أو المجموعات أو الدول التي تربط الهدف بها علاقة ليتولى نشر معلومات سلبية سواء في صيغتها السلبية المباشرة أو بغلاف إيجابي. ولعل “مثلك أنا” الشهيرة أنصع مثال على التشويه والتضليل المتوشح بالنبل والإنسانية، أو كصيحة أحدهم بالخليج في عملية تهدف إلى المزيد من تشويه الصورة وإلى الكثير من التغييب للحقائق وتزييف وعي الشعب تحت رداء الحرص. وعادة ما تكون هذه الطريقة أشدّ فعالية حينما تتمّ بشكل يحمل جزءا من الحقيقة، ولعل أوضح مثال على هذا النوع هو مبالغات طارق السويدان بشأن منعه من دخول السعودية.

إن الحديث عن آلية اغتيال المجتمعات في هذه المساحة لا يفي بالغرض، إلا أنه يلقي الضوء على إحدى أهم الوسائل التي تستخدمها التنظيمات السياسية والحركية بواسطة المنضمين تحت لوائها لدفع المجتمعات نحو الفوضى. وقد يلاحظ المراقب أن الكثير من البيانات أو الخطابات التي تحمل توقيعات جماعية، أو تلك التي تصدر عن أساطين التنظيم الدولي فيها التلويح بالفوضى والثورة. ولعل أول ما يتبادر إلى الذهنية المحايدة أن هناك نوعا من المساومة الخفية من جانب، إضافة إلى رسالة ضمنية للأتباع باتخاذ خطوة نحو كسر حاجز الخوف.

في ظل وجود قناة إعلامية كالجزيرة تروّج للتنظيم الدولي وتضخم الأحداث، وفي ظل وجود شخصيات أكاديمية على رأس العمل تمارس التحريض وتخوين الشخصيات الوطنية والرموز الحكومية واتهامها، مباشرة أو إيحاء، بالتصهين، فلابدّ أن تكون هناك حالات تدل على نجاح جزئي لعملية اغتيال المجتمع. ومن المؤشرات على ذلك ما يصفه البعض بالنفير بدون إذن الوالدين، والأشدّ من ذلك نفير النساء كأخطر مؤشر على اختلال خصوصية المجتمع.

إضافة إلى ذلك تحرك عشرات من ذوي المعتقلين في قضايا إرهابية للمطالبة بإطلاقهم دون أي اعتبار للأنظمة والقوانين أو لذوي ضحاياهم وحقهم الخاص. هذه مؤشرات ينبغي الالتفات إليها وعدم إهمالها أو التعامل معها على أنها قضايا فردية، فمهما يكن، هي نجاحات سيتبعها غيرها في حال عدم المعالجة الحاسمة. ولعل المعالجة الإماراتية لمحاولة اغتيال مجتمعها أنموذج يُحتذى به عند التعامل مع بعض التنظيمات وأساطينها المنتشرة في الساحة المجتمعية والإلكترونية والرقمية.


كاتب سعودي

8