اغتيال جو كوكس: قتل رمزي لأوروبا المستنيرة وإعلان لحقبة الفاشية

اغتيال النائبة البريطانية جو كوكس لم يكن يستهدف فقط نشاطها وجهودها في الدعاية لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، بل كان اغتيالا رمزيا لجملة من الأفكار والسياسات التي تدافع عنها النائبة، من بينها محاربة الإسلاموفوبيا والدفاع عن قضايا اللاجئين والنظر إلى المهاجرين على أنهم عنصر مساعد للاقتصاد، وغيرها من القضايا التي ظهر بالكاشف أن تيار اليمين المتطرف في أوروبا يستعد لمحاربتها.. حتى بالقتل.
الاثنين 2016/06/20
شعارات جنازة كوكس تتنبأ بطبيعة المعركة ضد الكراهية

يكشف تصريح الشرطة البريطانية أن “التطرف اليميني خط مهم في تحقيقاتها في قتل النائبة جو كوكس” عن تغول التيار المتشدد في بريطانيا كانعكاس لتمدده في عدد من الدول الأوروبية الأخرى.

فقد كشف اغتيال النائبة تقاطعا واضحا بين التيار الداعي إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا ودول أوروبية أخرى وبين “فاشية جديدة” بدأت في التبلور كقوة في الشارع، تأثرا بأزمة اللاجئين والمهاجرين والأزمة الاقتصادية العالمية وأيضا دعاة الخوف من الأجانب والمسلمين. إذ يقول تقرير شرطة بلدة بريستال التي حدث فيها الاغتيال، الخميس الماضي، إن “الرجل الذي اعتقلته الأجهزة الأمنية والمشتبه فيه بالقيام بجريمة القتل ربما تكون له صلة بالنازيين الجدد”.

محاربة الإرهاب

كانت الأجواء مهيأة لليمين الأوروبي لأن يعود إلى واجهة المشهد السياسي خاصة بعد تنامي عدد اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين في القارة العجوز. فتزايد عددهم ليس سببا مباشرا في حد ذاته لخروج الآلاف إلى الشوارع ورفع شعارات عنصرية صريحة، إلا أن ذلك كان من بين المعطيات الميدانية التي أججت الشعور العنصري وأخرجته عن دوائره الضيقة بفعل العمليات الإرهابية في عدد من العواصم الأوروبية، خاصة باريس، ليصل الأمر أخيرا إلى اغتيال نائبة في البرلمان البريطاني عرف عنها نزوعها نحو الانفتاح وقبول المهاجرين ودعم قضية اللاجئين.

لقد أدت سلسلة العمليات الإرهابية التي تتستر بغطاء ديني إسلامي إلى تثبيت الصورة النمطية عن العرب والمسلمين في أوروبا على أنهم يميلون إلى التطرف واستعمال القوة، الأمر الذي حرك سواكن المنطق اليميني في أوروبا والذي يستعمل ورقة المهاجرين العرب بشكل دائم كي يجد مشروعية خطابية وسياسية للترويج لنفسه خاصة في فترات اقتراب انتخابات ما، سواء محلية أو على المستوى الأوروبي.

لم تستطع وسائل الإعلام في العالم الغربي، أي في أوروبا والولايات المتحدة، أن تتحكم بشكل متوازن في مخرجاتها الإعلامية، فغذت الرأي العام بكمية ضخمة من الصور التي تثير الخوف من الأجانب بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، فكان ذلك محفزا قويا على استبطان فكرة الرهبة من المسلمين، فكل مسلم بذلك هو إرهابي محتمل وفي أي لحظة يمكن أن يرتكب أي جريمة، فترسب من خلال ذلك الفكر القومي الأوروبي المتطرف، وهذا ما أشارت إليه صحيفة التايمز البريطانية في تقرير عن تنامي اليمين المتطرف وإغفاله من قبل السلطات بسبب التركيز على خطر التطرف الإسلامي ومكافحته.
اغتيال جو كوكس يعتبر قتلا رمزيا لجملة القضايا التي تدافع عنها النائبة، وهذا ما يكشفه حادث الاغتيال ذاته

وتقول فيونا هاملتون الكاتبة في صحيفة التايمز البريطانية في تقريرها، إن تركيز السلطات على خطر التطرف الإسلامي مرده الهجمات الأخيرة في باريس وبروكسل، وخطط الهجمات التي أبطلتها الأجهزة الأمنية في بريطانيا، وهذا الاهتمام الكبير أدى إلى ترسب الأفكار القومية المتطرفة في البلاد. وتذكر أن ناشطين ضد العنصرية نبهوا إلى أن التيار اليميني المتطرف أخذ ينتعش في بعض المناطق من إنكلترا.

وتشير الكاتبة إلى أن المسيرات المناوئة للمهاجرين تكاثرت في البلاد منذ سطوع نجم الحزب القومي البريطاني، ورابطة الدفاع عن بريطانيا، ثم تراجعت مع أفول الحزبين. وترى أن اندثار هاتين المنظمتين، فسح المجال لعناصر خطيرة أكثر ميلا للعنف والترويج له. وتضيف هاملتون أن التيار اليميني المتطرف تفاعل مع مقتل النائبة في مجلس العموم، جو كوكس، وعبرت بعض التعليقات عن سعادته بذلك.

هذا المستوى من “التوتر الاجتماعي” كما يقول الباحث الفرنسي في السوسيولوجيا مانوال كاستال دفع السلطات في الدول الأوروبية إلى التركيز على مكافحة الإرهاب والقيام بتشديد عمليات المراقبة على الجاليات المسلمة وخاصة بعض الأسماء التي تدور حولها شكوك.

وبقيت هذه الإستراتيجية تمثل الهاجس الأول للأجهزة الأمنية بشكل دائم وفي كل الفضاءات، الأمر الذي أكد للمواطنين أن أمر الإرهاب هذا مسألة خطيرة فعلا، فكان لذلك تأثير على المواقف لدى صناع الرأي، ما يبرر ميل عدد كبير إلى أطروحات اليمين المتطرف في أوروبا، ولعل مثال حركة “بيغيدا” العنصرية الألمانية يؤكد أن للنازيين الجدد في أوروبا أطرا منظمة تنشط بالتركيز على ترويج أفكارها الإقصائية.
فيونا هاملتون: تركيز السلطات على خطر التطرف الإسلامي أدى إلى تسرب الأفكار المتطرفة

يعيد اغتيال النائبة البريطانية عن حزب العمال جو كوكس إلى الذاكرة تأثر الألمان بالدعاية النازية ضد اليهود زمن الحرب العالمية الثانية. فقد ركزت الأجهزة الإعلامية آنذاك على ربط الخطر المحدق بألمانيا من تهديدات السوفييت ودول الحلفاء باليهود الذين يعيشون داخل البلاد، فنتجت عن ذلك حملة إبادة لليهود في ما يعرف بمحرقة الهولوكست.

ويقول مراقبون إن مسار الأحداث في هذه الأيام يمر عبر طريقة تشبه طريقة النازيين في تأجيج شعور الرأي العام ضد قضايا بعينها خاصة مسألة المهاجرين والمسلمين والاتحاد الأوروبي.

لماذا كوكس؟

اغتيال جو كوكس يعتبر قتلا رمزيا لجملة القضايا التي تدافع عنها النائبة، وهذا ما يكشفه حدث الاغتيال ذاته في هذا السياق الذي تمر به بريطانيا هذه الأيام، فالبلاد تستعد لاستفتاء مصيري ينتظره الكثيرون داخل بريطانيا وخارجها باعتبار نتائجه التي ستبقي المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي أم ستؤدي إلى خروجها.

فقد كانت النائبة تدافع عن قضايا اللاجئين القادمين من مناطق الحروب والتوتر وخاصة السوريين منهم، كما تدافع كوكس عن المهاجرين وقضاياهم وموقعهم داخل المجتمع البريطاني والأوروبي بشكل عام، وفي أول خطاب لها في مجلس العموم بعد انتخابها في مايو 2015 في دائرة باتلي اند سبين، أشادت بالهجرة كعامل “لتحسين” أوضاع المجموعات المحلية.

وكغيرها من أعضاء حزب العمال، انخرطت جو كوكس المتزوجة وأم لطفلتين، في الحملة للدفاع عن بقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي قبل استفتاء 23 يونيو الحالي.

وكتبت على موقعها الإلكتروني مؤخرا أن “الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يتسم بالكمال ويحتاج بالتأكيد إلى إصلاحات، لكن المجازفة بكل امتيازات انتمائنا إلى أوروبا لنغرق في الظلام لا تبدو لي وطنية عالية”.

التطرف اليميني خط مهم في تحقيقاتها في قتل النائبة جو كوكس

ويقول تقرير عن حياة جو كوكس نشر في موقع إذاعة مونتي كارلو الفرنسية الدولية، إن كوكس ولدت سنة 1974 في دويسبري في شمال إنكلترا وعاشت في منطقة يوركشير الغربية قبل أن تتوجه إلى كامبريدج لتواصل دراستها، وبعدما حصلت على الشهادة الجامعية في 1995، ساهمت كوكس الشغوفة بالسياسة، في إطلاق حركة “بريطانيا في أوروبا” المؤيدة لعضوية المملكة المتحدة في الاتحاد، ثم بدأت العمل في أوساط الجمعيات الإنسانية. ولمدة عقد كامل شغلت وظائف في منظمات دولية مثل أوكسفام ومنظمات إنقاذ الأطفال في أوروبا والولايات المتحدة وفي مناطق نزاعات.

وكانت النائبة ناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة وعضوا في شبكة نساء حزب العمال “لابرز ويمن نتوورك” التي تشجع المرأة على دخول الحياة العامة.

وفي 2008 عملت جو كوكس في حملة الحزب الديمقراطي لانتخاب باراك أوباما رئيسا. وفي البرلمان البريطاني كانت عضوا في لجنة الحكم المحلي وفي مجموعة أصدقاء سوريا، وكانت تشارك في أعمال خيرية في الأراضي الفلسطينية وباكستان.

جملة القضايا التي تدافع عنها كوكس هي التي أدت إلى اغتيالها، وهذا ما يكشف أن التيار اليميني الصاعد في أوروبا الآن له توجه جدي نحو فرض رؤيته المتطرفة للوجود. فكل التيارات والأحزاب اليمينية في أوروبا اليوم تطالب بمراجعات جذرية في مشروعية قيام الاتحاد الأوروبي ومراجعة الوحدة النقدية اليورو والعودة إلى حقبة ما قبل توحيد العملة وفتح الحدود وإلغاء الجمارك وتأشيرات السفر وجل الاتفاقيات التجارية الأخرى.

وهذا ما تشترك فيه أحزاب مثل حزب الجبهة الوطنية في فرنسا وحزب الحرية الهولندي الذي يقوده خيرت فيلدرز المعروف بتصريحاته العنصرية ضد الأجانب، وأيضا حزب رابطة الشمال الإيطالي المعادي للأجانب، وكذلك حزب الشعب الدنماركي وغيرها من التيارات المتشددة الأخرى في أسبانيا واليونان وألمانيا وبريطانيا ذاتها التي قال مركز “ساثرن بافرتي لوه”، وهي جماعة مدنية يقع مقرها في ولاية ألاباما بالولايات المتحدة على موقعها الإلكتروني، إنها حصلت على تسجيلات تثبت وجود صلات لتوماس مير المشتبه فيه بقتل النائبة جو كوكس بمنظمة التحالف الوطني للنازيين الجدد ببريطانيا ترجع إلى عام 1999.

تجاوزت الأمور إذن مجرد خروج المئات أو الآلاف من اليمينيين للتظاهر في الشوارع والتنديد بقرار أو قانون أو ظاهرة ما، عبر شعارات تحمل شحنة عنصرية واضحة، إلى مستوى القتل.

وهذا يؤكد أن مسار الأحداث في المستقبل سوف يكون أكثر توترا، ليس في بريطانيا فقط، بل في أنحاء عديدة من أوروبا وربما الولايات المتحدة أيضا.

صحافي من تونس

7