اغتيال سياسيين في النمسا وإثارة نعرات قومية اتهامات تطارد أردوغان

البرلمان النمساوي يبرر غلق عدد من المساجد التركية بأنها أصبحت لا تعمل باعتبارها دورا للعبادة، بل امتدادا لسياسة أردوغان خاصة بعد أن خططت أنقرة لاغتيال السياسية النمساوية بيريفان أصلان.
الثلاثاء 2020/09/29
أقليات يتصيّدها أردوغان

في كل مرة تكشف فيها تقارير برلمانية أو استخباراتية غربية عن مخططات تركية لاغتيال ناشطين سياسيين معارضين مقيمين على أراضيها يعود الجدل مجددا بشأن ماهية الأجندات التركية في أوروبا وسبل مواجهتها. وتتصدر ألمانيا والنمسا اللتان تحتضان العدد الأكبر من الجالية التركية في أوروبا جدول اهتمامات المخابرات التركية التي تجند التنظيمات المتطرفة وأئمة المساجد التي تدفع لهم الحكومة التركية رواتبهم في خدمة أهدافها.

فيينا - وضع اعتراف عميل مخابرات تركي بتلقيه تعليمات باغتيال السياسية النمساوية من أصول كردية، بيريفان أصلان، تركيا في فوهة غضب النمسا، ما يعقد العلاقات المتأزمة أصلا بين البلدين ويدفع فيينا إلى اتخاذ خطوات أكثر صرامة لمحاصرة أنشطة أنقرة المزعزعة لاستقرار أراضيها.

وأقر عميل المخابرات التركية، فياز بتلقيه أوامر باغتيال أصلان، لافتاً إلى أنه راقب السياسية المنتمية لحزب الخضر، خلال شهر أغسطس الماضي، لقتلها.

وكشف العميل التركي، الذي يحمل الجنسية الإيطالية، أنه أجرى حجزا فندقيا في ذات الفندق، الذي كان من المقرر أن تقيم فيه السياسية النمساوية، حيث كان من المخطط أن يغتالها هناك، مشيرا إلى أنه لا يعلم السبب وراء تنفيذ عملية الاغتيال هذه، ولكنه أُمر بخلق حالة فوضى.

كما بينت السلطات في فيينا أن العميل سلم نفسه للمخابرات النمساوية وطلب منها توفير الحماية له، على اعتبار أن حياته ستكون مهددة بسبب اعترافاته، مضيفاً “قالوا لي قم باغتيال بيريفان أصلان”.

سيبستيان كورتس: لن نسمح بنقل النزاعات من تركيا إلى النمسا
سيبستيان كورتس: لن نسمح بنقل النزاعات من تركيا إلى النمسا

ونشر موقع إخباري نمساوي قائمة من الأسماء السياسية النمساوية، التي تستهدفها المخابرات التركية، بينها السياسية أصلان وعضو البرلمان الأوروبي، أندرياس شيدر، في حين أشارت مصادر إلى أن اعتقال العميل التركي كشف عن وجود شبكة تركية تعمل على إثارة نزعات قومية بين الأتراك والأكراد المقيمين على الأراضي النمساوية.

وكشف السياسي النمساوي السابق، بيتر بيلز، خطط الاغتيال على موقع “زاك زاك” الإخباري، قائلاً إن “المخابرات النمساوية أبلغته بأنه مدرج في قائمة تضم العديد من الأسماء المرشحة للاغتيال، إلى جانب أصلان والعضو النمساوي في البرلمان الأوروبي أندرياس شيدر”.

وتأتي هذه الاعترافات بعد أن شهدت مظاهرات قام بها موالون للأكراد في العاصمة فيينا في يوليو الماضي اشتباكات عنيفة مع قوميين أتراك ينتمون لتنظيم “الذئاب الرمادية” التركي المتطرف، ما تسبب في إصابة سبعة من ضباط الشرطة النمساوية خلال محاولات إبعاد كل من الطرفين عن الآخر.

وشهدت العاصمة فيينا لأربعة أيام متعاقبة مظاهرات نظمتها جمعيات لحماية حقوق الإنسان الكردية تنديدا بالعمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش التركي ضد الأكراد في شمال العراق.

وإثر ذلك استدعت وزارة الخارجية النمساوية السفير التركي في فيينا أوزان جيهان للاحتجاج، في أحدث توتر دبلوماسي بين البلدين.

وتشهد العلاقات بين أنقرة وفيينا توترا من الأساس، في ظل ضغط المستشار النمساوي سيبستيان كورتس لمنع انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وعمله للتصدي لنفوذ أنقرة على الجالية التركية الكبيرة في النمسا.

وعلّق كورتس على الواقعة بالقول “لا نريد أن نرى صورا للعنف في شوارع النمسا لاسيما في فيينا، وبالتالي لن نسمح بنقل النزاعات من تركيا إلى النمسا”، فيما قال وزير داخليته كارل نيهامر “كمجتمع وشرطة، علينا أن نقف بحزم ضد هذه القوى المتطرفة.. في دولة دستورية مثل النمسا، ليس لدينا مكان للتطرف”.

أتيب عين على المعارضين

أتيب.. ذراع أردوغان لنشر التطرّف
أتيب.. ذراع أردوغان لنشر التطرّف

لم يكن قيام حكومة النمسا اليمينية بطرد العشرات من الأئمة الأتراك وإغلاق سبعة مساجد في سنة 2018 قرارا اعتباطيا بقدر ما يعبر عن سياسة جديدة أكثر جرأة في التعامل مع أجندات الإسلام السياسي ودور تركيا في أوروبا مقارنة بالدول الأوروبية الأخرى التي تعيش فيها جاليات إسلامية كبيرة تضم مهاجرين من أصول تركية يسعى أردوغان سوية مع حركة الإخوان المسلمين إلى تحويلها إلى حصان طروادة لأهدافه ومشاريعه في القارة الأوروبية.

ومنذ عام 2015 يحظر قانون خاص بالإسلام في النمسا التمويل الخارجي. وينص هذا القانون أيضاً على أنه يجب على المؤسسة الدينية المُعترف بها بحسب القانون العام تغطية مصاريف الخدمات الدينية من مصادر تمويل محلية.

ويمتلك اتحاد “أتيب” 64 مقرا ومسجدا في عموم النمسا، بينها 5 مقرات كبيرة في فيينا، فضلا عن 100 ألف شخص ينضوون تحته.

وحسب صحيفة كورير النمساوية تعمل “أتيب” كمظلة تضم منظمات وأندية ثقافية ومساجد في الأراضي النمساوية، وتهدف إلى ترسيخ الثقافة ونمط الحياة التركي على المجتمع، ونشر أفكارها الدينية المتطرفة وخلق مجتمعات موازية.

ووفق الصحيفة، فإن “أتيب” تعد ذراع أردوغان الطولى في النمسا، وتتلقى تمويلا لأنشطتها ورواتب أئمتها من مديرية الشؤون الدينية التركية “حكومية”، وتخضع لتأثير مباشر من النظام التركي وحزب العدالة والتنمية.

ولفتت الصحيفة إلى أن “أتيب” ملاذ للإسلاميين في النمسا، ومفرغة لمؤيدي التنظيمات المتطرفة التي يدعمها أردوغان.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذا الاتحاد يمارس أنشطة تجسس على المعارضين الأتراك في النمسا لصالح وزارة الداخلية التركية.

وفي ربيع 2018، أثارت محاكاة أطفال لإحدى المعارك العثمانية في الحرب العالمية الأولى (1914-1918) في أحد المساجد التابعة لـ”أتيب” في فيينا، أزمة كبيرة مع الحكومة النمساوية التي اتهمت الاتحاد بـ”انتهاك حقوق الأطفال”، و”خلق مجتمع موازٍ” في البلاد.

ووصفت الخبيرة الألمانية في شؤون الإسلام السياسي، سوزان شروتر، أتيب، في تصريحات لصحيفة تاغس بوست الألمانية، بأنها ” قريبة من الإخوان”.وفى سبتمبر 2018، أغلقت النمسا عددا من المساجد التركية في البلاد على خلفية ما وصفته مصادر محلية “أنشطة أردوغان التجسسية”، حيث اتخذ البرلمان النمساوى بأغلبية الأصوات قرارا يقضى بإغلاق المساجد التركية التابعة لهيئة الشؤون الدينية التركية داخل النمسا.

وقال البرلمان النمساوى حينها، إن إغلاق المساجد التركية جاء على أساس أن المساجد أصبحت لا تعمل باعتبارها دورا للعبادة، بل أصبحت امتدادا لسياسة أردوغان.

وفي مارس الماضي، قال بيتر بيلتس، زعيم قائمة “الآن” في البرلمان في حوار مع وكالة الأنباء النمساوية الرسمية “أيه.بي.أيه” إن النظام السياسي في النمسا مخترق من الجماعات الإسلامية التركية والإخوان المسلمين. وتابع “جمعية أتيب الإسلامية التركية والإخوان المسلمين هما الخطران الأساسيان”.

وبدوره، قال رودجر لولكر، الخبير في شؤون جماعات الإسلام السياسي، وأستاذ اللغات الشرقية في جامعة فيينا إن “أتيب تتحالف مع الإخوان في شبكة واحدة تعمل تحت لواء النظام التركي وتسعى لتحقيق مصالحه في النمسا وأوروبا بشكل عام”.

وتابع لولكر “من الطبيعي أن تتشابك العلاقات بين التنظيمين، وتوجد عناصر من الإخوان والإسلام السياسي بشكل عام، في مقرات أتيب”، مضيفا “قائدهما واحد”، في إشارة إلى نظام أردوغان.

وكانت ألمانيا قد تنبهت كذلك في الآونة الأخيرة إلى استغلال الاتحاد الإسلامي التركي لنحو 900 مسجد يديرها في البلاد، ويعين أئمتها في التجسس على معارضي أردوغان.

وأفادت تقارير الاستخبارات الألمانية بأن حكومة أردوغان تعوّل على المساجد التابعة لها في ألمانيا للتأثير على المسلمين وبث خطاب سياسي إسلامي متشدد.

وعرض فيلم وثائقي لقناة “زي.دي.أف” التلفزيونية الألمانية تفاصيل اعتماد المخابرات التركية على مساجد الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية للعثور على مؤيدي حركة الداعية الاسلامي فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بمحاولة الانقلاب الفاشل في 2016، أو أنصار القضية الكردية.

جاء في الوثائق، يُطلب من الأئمة جمع المعلومات حول الأهداف وأماكن وجودهم ونقلها إلى السفارة والقنصليات التركية الموجودة في ألمانيا.

ووفق المعلومات الواردة في التحقيق، فقد بلغ عدد الأشخاص الذين يراقبون معارضي أردوغان ويتجسسون على خصومه في مختلف أنحاء ألمانيا نحو 8 آلاف شخص، مما يجعلهم أشبه بجيش من الجواسيس.

ويقول لورينزو فيدينو مدير برنامج دراسات التطرف في جامعة جورج واشنطن “هناك وعي متنامٍ حول التأثير المنتشر للمنظمات الإسلاموية التي توثر سلباً على اندماج المسلمين في المجتمع النمساوي ودورها في تطرف بعض المسلمين هناك، إنّ إعادة التقييم هذا ولحسن الحظ لا ترافقها مشاعر معادية للإسلام، حيث إنّ هناك استيعاباً تاماً للفرق بين من هو مسلم ومن هو إسلامي”.

ميللي جوروش أداة ترهيب

يُطلب من الأئمة جمع المعلومات حول الأهداف وأماكن وجودهم ونقلها إلى السفارة والقنصليات التركية
يُطلب من الأئمة جمع المعلومات حول الأهداف وأماكن وجودهم ونقلها إلى السفارة والقنصليات التركية

لتركيا أدوات متعددة في اختراق النسيج المجتمعي النمساوي بداية من توظيف المساجد والجمعيات الخيرية التي تديرها وصولا إلى التنظيمات المتطرفة الناشطة بقوة في كل من فيينا وبرلين بالخصوص على غرار تنظيم ميللي جوروش، السلف الإسلامي لحزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

ونهل الرئيس التركي في شبابه من أفكار المنظمة المتطرفة التي أسسها السياسي نجم الدين أربكان في ستينات القرن الماضي، حيث كان لها دور أساسي في صعوده إلى سدة الحكم في تركيا.

وجاء في وثيقة للبرلمان الألماني مؤرخة بـ30 أغسطس 2016، “لم يكن صعود أردوغان للسلطة في تركيا عام 2003 ممكنا دون دعم حركة ميللي جوروش، باعتباره نشأ في الحركة، وتبنى مبادئها”.

وتابعت الوثيقة “بعد وصوله للسلطة، عمّق أردوغان العلاقة مع ميللي جوروش، وباتت ذراعا رئيسية لنظامه خاصة في أوروبا”، مضيفة “على سبيل المثال، كان الأمين العام السابق لميللي جوروش، مصطفى ينار أوغلو، واحدا من أبرز داعمي الرئيس التركي، وشغل لسنوات عضوية البرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم”.

وباتت ميللي جوروش المتطرفة، تتوسع في 11 دولة أوروبية، بل أصبحت أكثر التنظيمات التابعة لأردوغان نفوذا وأداة للتطرف والتجسس في أوروبا، حيث يوكل لأعضائها ومنتسبيها ترهيب الناشطين ذو الأصول الكردية على الأراضي الأوروبية وملاحقة المعارضين السياسيين للرئيس التركي وحزبه.

وتملك المنظمة 87 ألف عضو في أوروبا، بينها 30 ألف عضو في ألمانيا وحدها، فيما يحضر الدروس في المساجد والمؤسسات التابعة لها، 300 ألف شخص أسبوعيا.

وتؤكد صحيفة فولكس بلات النمساوية أن أعضاء المنظمة يحافظون على علاقات وثيقة مع السياسيين والكنائس والإعلام في النمسا وألمانيا، لـ”رسم صورة غير صحيحة عن أهداف الحركة وأنماط تصرف أعضائها”، مشيرة إلى أنها “المنظمة تعمل على الاندماج بشكل واضح في المجتمعات الأوروبية، كغطاء لتحركاتها وأهدافها الحقيقية”.

وتعتبر السلطات النمساوية أن أكبر تهديد للأمن في البلاد هو نشاط الجماعات الإسلاموية، حيث يعتقد المتطرفون الإسلاميون بأن مجتمعاتهم تواجه تهديدا وجوديا، ما يفرض على كل فرد التزاما بالقتال لدفعه وحشد أنصاره وتجنيد عناصر جديدة. ما ينذر مستقبلا أن يمثلوا تهديدا يصعب تقدير حجمه ومخاطره وتداعياته على الأمن المجتمعي في النمسا.

وتكثف الحكومة النمساوية جهودها للحيلولة دون بسط المتطرفين الإسلاميين نفوذهم داخل المجتمع النمساوى كذلك إخضاعهم للمراقبة.

وتدرب النمسا الآلاف من الموظفين على كيفية تحديد التطرف. وبات من المتوقع على المستوى القريب أن تتخذ السلطات النمساوية إجراءات أكثر صرامة لمواجهة الجمعيات المتطرفة ومكافحة التطرف بطرق ناجعة، بدلا من إعلانها في تقارير وأبحاث.

ويرى أكاديميون أنه ينبغي منع الأفراد المعرضين للانضمام إلى الجماعات المتطرفة من خلال التصدي لأيديولوجيتهم وتقديم بديل أفضل لهم و صياغة سياسات فعّالة تثبت نجاحها في ردع المتطرفين.

ويؤكد هؤلاء على ضرورة إعادة تأهيل المتطرفين من خلال التدريب المهني والتدريب على ممارسة الأعمال الحرة وشن حملات على وسائل التواصل الاجتماعي لحذف خطابات الكراهية والعنف، إضافة إلى تنظيم ندوات تثقيفية للشباب في المدارس وأماكن العبادة وجمعيات مدنية وثقافية لمواجهة البروباغاندا المتطرفة.

السلطات النمساوية تعتبر أن أكبر تهديد للأمن في البلاد هو نشاط الجماعات الإسلاموية
السلطات النمساوية تعتبر أن أكبر تهديد للأمن في البلاد هو نشاط الجماعات الإسلاموية

 

12