اغتيال شكري بلعيد: اختبار لمعادن الحكومات

السبت 2015/02/07

تزامن تسلم الحكومة التونسية الجديدة، برئاسة الحبيب الصيد، لمهامها رسميا من حكومة تصريف الأعمال، التي ترأسها المهدي جمعة، مع الذكرى الثانية لاغتيال شكري بلعيد. تزامن مكتظّ بالدلالات ويطرح على الحكومة الجديدة أكثر من سؤال ويفتح أكثر من انتظار. تعزز الإيحاء بالتزامن مع زيارة أداها الحبيب الصيد إلى مقبرة الزلاج حيث قبر شكري بلعيد الذي اغتيل صباح 6 فبراير من عام 2013، وكان الصيد شدد خلال تقديمه لبرنامج الحكومة المقبلة أمام مجلس نواب الشعب على أن الحكومة ستبذل قصارى الجهد للكشف عن ملابسات جريمتي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

الكشف عن قاتل أو قتلة شكري بلعيد مهمة تطرحها الحكومة الجديدة على نفسها، كما طرحتها الحكومات التي تعاقبت سابقا، وهي أيضا مطلب شعبي يتجاوز مجرد الكشف عن الجناة بقدر ما تنفتحُ على كشف الحقيقة التي تعني، بدورها، التعرف على من يدير الاختلاف بالضغط على الزناد.

المطالبة بكشف الحقيقة أو “من قتل شكري”، كما تصرّ الشعارات المرفوعة في الفعاليات الأسبوعية المنتظمة، تحولت إلى استحقاق سياسي كبير يناهز المهام الكبرى المطروحة على الثورة التونسية من تشغيل وتنمية ومحاربة فساد، وهذا لا يعني أن التعرف على “من قتل شكري” استحقاق ينافس أو يؤجل المضامين الحقيقية للثورة، بل إنه ناهزها من زاوية انفتاحه على الدروب المظلمة التي يؤدي إليها التعرف على الجهة الضالعة في الاغتيال.

كشف حقيقة من قتل شكري هو مطلب تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والأيديولوجية والقضائية، وعسر التقدم في هذا الملف يوحي بوجود أطراف أو جهات تضع عقبات كأداء تكبل كل جهد الساعين إلى ذلك.

جدير بالذكر أن الجبهة الشعبية والتيارات اليسارية بشكل عام لم تتردد منذ لحظة الاغتيال في اتهام حركة النهضة بالضلوع في الاغتيال سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، وهيمن الاتهام على السجال السياسي التونسي، وتعزز باغتيال محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013، ثم تحول إلى اتهام سياسي مفاده أن النهضة مسؤولة سياسيا على الاغتيالين بصمتها على المناخ المشوب بالفكر التكفيري الذي هيمن على المساجد والفضاء العام. هنا برزت مفارقة قوامها أن مطلب الكشف عن حقيقة الاغتيالات أصبح مؤخرا، يصدر عن الطرفين، المتّهِم والمتَّهَم. فحركة النهضة والتيارات القريبة منها أصبحت تطالب بالكشف عن الحقيقة التي تعتبر أنها أولا وثيقة براءة لها، وثانيا كشف عن الفاعل الذي يسعى إلى تخريب العملية السياسية التونسية، مع ما رافق هذه المطالبة من همس بضلوع أطراف أجنبية.

التحيين الذي جدّ في القضية ينهض على أن قسما كبيرا من المشهد السياسي التونسي كان يصرّ ويراهن على عدم مشاركة النهضة في الحكومة الجديدة للحبيب الصيد، انطلاقا من أن عدم تشريك النهضة في الحكومة يتجاوز البعد التمثيلي المباشر الذي أفرزه البرلمان الجديد، ليمثل ضربا من القطيعة مع ما أفرزه زمن الترويكا (بنسختيها) التي حكمت تونس منذ انتخابات 23 أكتوبر 2011، لكن وجود النهضة في حكومة الصيد الجديدة، ولو بتمثيل محدود تمثل في وزير و3 كتاب دولة، لاقى معارضة شرسة من أطراف متعددة؛ الأحزاب اليسارية التي رأت أن وجود النهضة في الحكم استنساخ أو إعادة إنتاج للترويكا ومكافأة للفاشلين، كما صدرت المعارضة من جناح يساري داخل نداء تونس اعتبر أن “توزير” شخصيات نهضاوية خيانة للناخب التونسي الذي انتصر لمشروع مغاير لما تطرحه النهضة وما جاورها من أحزاب. واتفقت الأصوات المعارضة أو وجود النهضة في الحكومة هو “دفن” لعديد القضايا على شاكلة اغتيال بلعيد.

الكشف عن حقيقة اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي وغيرهما، تحول إلى اختبار متجدد للحكومات ومعيار واضح للحكم على فشل أو نجاح أي برنامج حكومي أو انتخابي، بل إن ذلك الرهان والمطلب الشعبي تحول إلى ورقة مركزية في البرامج الانتخابية لأغلب الأحزاب، ووصل صداه الحملات الانتخابية الرئاسية، حيث وعد الباجي قايد السبسي مثلا بأنه يعمل جاهدا على كشف ملابسات الاغتيال.

الثابتُ أن المعلومات الرسمية التي أعلنتها الحكومات السابقة حول القضية، أكدت تورط عناصر تنتمي إلى تيارات تكفيرية متطرفة (أنصار الشريعة كما ورد في تصريحات علي العريض ولطفي بن جدو وغيرهما من القيادات الأمنية) لم تكن كافية بالنظر إلى أن المطلب الحقيقي كان ولا يزال الكشف عن الجهات التي مولت وأسندت ووفرت الغطاء للفاعلين، أي أن المطلب العميق يتلخص في التعرف على الجهات ذات المصلحة في اغتيال بلعيد والبراهمي، تبعا لتداخل وارتباط وتماهي القضيتين.

كشف حقيقة اغتيال شكري بلعيد، الذي تسلمت الحكومة الجديدة مهامها في ذكراه الثانية، مهمة من قبيل الامتحان، تضاف إلى ما ينتظر الحكومة من قضايا عالقة تنتظر المعالجة والتصدي. ولئن كانت شعارات الثورة تنفتح على آفاق تنموية واجتماعية واقتصادية، فإن قضية بلعيد تؤدي رأسا إلى الحقل السياسي والعلائقي للبلاد، ولاشك أن الحقيقة التي يحرصُ إلى حد اللحظة على إخفائها بعناية، حال كشفها ستطيح برؤوس أو بحكومات أو بأوهام.


كاتب صحفي تونسي

9