اغتيال شكري بلعيد.. سؤال سياسي

السبت 2016/02/06

السادس من فبراير 2013 طغى حدث اغتيال القيادي اليساري التونسي شكري بلعيد على الأحداث في تونس. كان الحدث خطرا وخطيرا من ناحية كونه أشر على أن تونس، بثورتها الفتية يومذاك، غير معفاة من ظاهرة الإرهاب والاغتيال السياسي.

اليوم، تراوح مسألة الكشف عن الجناة (من دبّروا وخطّطوا ودفعوا وشجّعوا ويسّروا) مكانها دون تحقيق تقدم فعلي يميط اللثام عن الجريمة وتفاصيلها. لكن الأبعد من ذلك هو أن القضية أصبحت في قلب التراشق السياسي، خاصة وأنها تعززت باغتيالات سياسية أخرى ظلت بدورها حبيسة أدراج البحث الأمني والقضائي، وبقيت مثار الخلافات السياسية بل في قلبها كلما طرحت المسألة.

من قتل شكري بلعيد؟ هو السؤال السياسي والشعبي (بصرف النظر عن دلالاته الجنائية المباشرة) الذي يجتاح السجال التونسي العام كلما اقتربت الذكرى، ولئن كان السؤال يوجه سابقا إلى الحكومة التي كانت تمسك بدواليب الحكم أثناء عملية الاغتيال (الترويكا بأغلبيتها النهضوية) فإنه توسع اليوم ليطال الرئيس التونسي الحالي، الباجي قائد السبسي، تبعا لالتزامه “الانتخابي” بأن يكشف خفايا الاغتيال وملابساته، ومن ثمة أصبح مطالبا بالإيفاء بالالتزام الذي طرحه على نفسه طوعا. توسع دائرة السؤال وتعدد “المسؤولين” حصلا في قلب عملية سياسية مركبة موسومة بالتجاذبات، عمقتها الأحداث الاحتجاجية الأخيرة التي انطلقت من ربوع محافظة القصرين وانتشرت في غير محافظة، وهي احتجاجات لم تكتف فقط بكشف ما عجزت الحكومات المتعاقبة عن تحقيقه لحل أزمات التنمية والتشغيل والفقر، إلا أنها أيضا كانت منطلقا لتبادل إطلاق نار سياسي بين الفاعلين السياسيين، أحزابا وشخوصا.

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي اعتبر أن الاحتجاجات الأخيرة تقف وراءها تيارات يسارية “متطرفة”، تحريضا وتأليبا، مع إقراره بمشروعية الاحتجاجات السلمية المدنية، ما جعل العديد من التيارات السياسية (الجبهة الشعبية وسواها) تحاول تفنيد مسلمة “تطرف اليسار” التي قدمها الرئيس التونسي الذي ساوى في الخطورة بين اليسار والإسلام السياسي، لكن الجبهة الشعبية اعتبرت أن الرئيس التونسي مطالب بتحقيق وعوده الانتخابية المتصلة بحقيقة اغتيال شكري بلعيد. جدير تأمل تصريح حمة الهمامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية، “حركة النهضة متورطة سياسيا وأخلاقيا في الاغتيالات السياسية، وحزب نداء تونس متحالف معها، وهذا التحالف لن يكشف حقيقة الاغتيال”.

المفارقة التونسية في هذا الصدد تتمثل في أن ثمة إجماعا على ضرورة الكشف عن كل حقيقة اغتيال شكري بلعيد، وهو على الأقل إجماع متداول في وسائل الإعلام انطلاقا من التصريحات المتواترة التي يتم إطلاقها كلما أثير الموضوع، وإذا كان كشف الحقيقة يستوطن منطقة الإجماع، فأين يقع الخلل؟ ولماذا أصبحت المطالبة بكشف الحقيقة فعلا فاقدا لكل معنى عند الرأي العام، بالنظر لليأس من جدوى المطالبة خاصة مع تكرر الوقفات الدورية التي دأبت الجبهة الشعبية على تنظيمها كل أربعاء في الشارع الرئيس في العاصمة؟

ثابت أول أن حقيقة اغتيال شكري بلعيد هي حقيقة سياسية قبل أن تكون أمنية أو قضائية، وهذا الإقرار لا ينفي أن كشف الحقيقة يمر بالضرورة عبر هذه المسارات، بمعنى أن جهات سياسية متداخلة تحول دون تقدم مسار كشف الحقيقة (تصريح عبادة الكافي النائب بكتلة تونس الحرة ورئيس لجنة التشريع العام بمجلس النواب، جدير بالتأمل حيث أكد أن هناك من يقف وراء منع الوصول إلى من أعطى الإذن والأوامر لقتل الشهيد، وأشار إلى أن القوى الرجعية والظلامية هي أكبر مستفيد من اغتيال بلعيد بما أنه كان يقاومها).

ثابت ثان أن حقيقة اغتيال بلعيد تمثل اختزالا لكل الأزمات السياسية التي عاشتها تونس منذ الثورة (وحتى قبل حدث الاغتيال ذاته)؛ فهي ترجمة لما كان يحذر منه شكري بلعيد “إياكم والانجرار إلى مربّع العنف. العنف لا يخدم إلا الرجعية والثورة المضادة”.

وهي مثال حي للإقصاء السياسي في أقصى تعبيراته، الاغتيال، وهي أيضا مقدمة لما عاشته تونس من حوادث إرهابية متلاحقة، وهي كذلك قطب الرحى في المحطات السياسية الكبرى التي عاشتها البلاد. اغتيال شكري حضر في كل المحطات السياسية الكبرى، اغتيالات وعمليات إرهابية واعتصامات وحملات انتخابية وغيرها.

التحالف السياسي بين حركة النهضة ونداء تونس، إضافة إلى مكونات سياسية أخرى، وما أفرزه من رباعي حاكم، أعاد تشكيل المشهد السياسي التونسي برمته، حيث أدى “الزواج” المفاجئ (المفاجأة لا بمعنى المباغتة والتوقيت بل انطلاقا مما كان يصدره هؤلاء وأولئك من تصريحات وتصريحات مضادة كانت تعبر عن تناقض لا يمكن تطويقه) إلى تشظي نداء تونس وتغير ترتيب الكتل البرلمانية، لكنه أكد أيضا تماهي النظر إلى أمهات القضايا، الاقتصادية والتنموية والسياسية والدبلوماسية، بين الفريقين، وأنتج ارتباكا واضحا في الأداء الحكومي والرئاسي والبرلماني، ومن ضمن ذلك الارتباك في سبل التعاطي مع الإرهاب ومع التحديات الأمنية، وفي ذلك السياق أيضا أطرت بعض القراءات السياسية تراجع الرئيس التونسي عن وعده الانتخابي الذي قطعه على نفسه حين استقبل أرملة شكري بلعيد ووعدها بأن يشرف بنفسه على كشف الحقيقة.

كل ما تقدم يبين أن حقيقة اغتيال بلعيد، مضافة إليها حقيقة اغتيال محمد البراهمي لأنهما من نفس الجنس، يمكن أن تمثلا منطلقا حقيقيا للانتقال الديمقراطي في تونس، لأن معرفة الفاعلين الحقيقيين ومن يقف وراءهم من شأنها أن تكشف للرأي العام من يمارسه العمل السياسي بقواعد السياسة، ومن يمارسها بالضغط على الزناد، وإلى ذلك يظل تحذير شكري بلعيد بأن العنف لا يخدم إلا “الرجعية والثورة المضادة” ساري المفعول، وستظل المحاكمات تعقد في غياب القتلة. من قتل شكري بلعيد؟

كاتب تونسي

9