اغتيال مازن فقهاء: اختراق إسرائيلي للصراع الداخلي في حماس

تحمل عملية اغتيال القيادي الحمساوي المحرر مازن فقهاء في طياتها أكثر من دلالة أمنية وسياسية. وبقدر ما تعكس اختراقا استخباراتيا وعسكريا إسرائيليا في عمق قطاع غزة مكّن من تصفية أحد أبرز المطلوبين لدى إسرائيل في وضح النهار، تعد العملية محاولة لاستدراج قيادة حماس الجديدة نحو مواجهة أوسع قد تحقق جملة من الأهداف السياسية والأمنية لإسرائيل وتعيد تدمير غزة بعد بضع سنوات من عملية إعادة إعمار صعبة.
الخميس 2017/04/06
ليس وقت رفع السلاح

غزة - من المسافة صفر اخترقت رصاصات كاتم الصوت رأس مازن فقهاء الأسير المحرر والقائد العسكري البارز في كتائب القسام وسط حي الرمال الراقي غرب غزة، وهو الذي وصف على الدوام بالعقل المدبر والموجه لخلايا القسام في الضفة الغربية إلى جانب صالح العاروري المقيم في الدوحة.

من المسافة صفر أيضا، أطلقت إسرائيل رصاصة “خارقة متفجرة” عند تقاطع الصراعات الداخلية لحركة حماس في ذروة المرحلة الأخيرة لحسم توجهاتها السياسية وأطرها القيادية في مؤتمرات طويلة ومعقدة شارفت على الانتهاء.

يمثل الاغتيال التحدي الأخطر للقيادة الجديدة المنتخبة في قطاع غزة ورأسها القسامي المتشدد يحيى السنوار، زميل مازن الفقهاء في المعتقلات الإسرائيلية، والذي ترافقه في القيادة الأولى اليوم نخبة من القيادات العسكرية لكتائب القسام في المقدمة مروان عيسى وروحي مشتهى وخليل الحية.

أرادت إسرائيل بهذه الطلقات الخمس وضع قيادة حماس السياسية والعسكرية، تحت ضغط وابتزاز شعبي وأمام جمهورها، بمحاولة دفعها للرد على الجريمة التي حصلت في عمق عرين الحركة ومربعها الأمني.

ورغم امتناع إسرائيل عن تبني المسؤولية المباشرة عن الاغتيال إلا أن عددا من المؤشرات يفضي إلى تضييق دائرة الاتهام وحصرها بالإسرائيلي.

في مقدمة هذه المؤشرات تبرز الاحترافية والمهنية العالية التي نفذت بها العملية وتزامنها مع مناورة للجيش على الحدود القريبة، والاستنفار الشامل في القرى والمستعمرات المحاذية للقطاع.

إسرائيل تطلق رصاصة خارقة متفجرة عند تقاطع الصراعات الداخلية لحركة حماس في ذروة مرحلة حسم توجهاتها

واتضح أن هذه التحركات لم تكن تدريبا روتينيا لقوة الاحتياط كما أعلنت إسرائيل، وإنما كانت تغطية على عملية كبرى تجري في قطاع غزة. كما أن صحفا إسرائيلية نشرت قائمة بثماني شخصيات حمساوية للاغتيال يحتل فقهاء الصورة الثالثة فيها.

اتهمت حماس إسرائيل باغتيال قائدها الميداني الأبرز. وتوعدت بالرد في المكان والزمان المناسبين. لكن لغة التهديد و”زلزلة الأرض تحت أقدام المحتلين” لم تظهر هذه المرة.

واكتفت الحركة بإجراءات التحقيق الجنائي الروتيني وإغلاق المعابر الحدودية. ومنعت الدخول والخروج إلا للحالات الطارئة كما استثني من المنع ثلاثة وزراء في السلطة الفلسطينية يقيمون في غزة.

عدم التصعيد

يرجع مراقبون الحكمة وضبط النفس في خطاب قادة حركة حماس عقب الاغتيال إلى إدراك عميق لدى القيادة أن العملية هي محاولة استدراج صريحة لرد عسكري من أي نوع، سواء كان في الضفة الغربية أو داخل إسرائيل أو في الخارج؛ وسواء تبنت حركة حماس العملية بشكل صريح أو التزمت الصمت والتجاهل، فذلك سوف يبرر ردا قاسيا في قطاع غزة يطال قيادات عسكرية وسياسية من الصف الأول تحديدا، ضمن عملية عسكرية واسعة يحتاجها الائتلاف الحكومي الإسرائيلي المأزوم.

وفِي خلفية المشهد، فإن عملية من هذا النوع تستهدف الدخول على خط الصراع الداخلي في حماس، بين اتجاهات وتيارات تشكل انعكاسا لصراع جهات الرعاية والدعم الإقليمي، خاصة ما بين المحور القطري- التركي، والذي يقابله الدور الإيراني والمصري.

وبالنسبة إلى إسرائيل، الحاضر الدائم والمؤثر في كل الترتيبات الداخلية للفصائل الفلسطينية ومؤتمراتها والتأثير والحسم أحيانا في قوائم مرشحيها، فإنها تضع حركة حماس اليوم أمام اختيار صعب، إما بسقوط القيادة القسامية الجديدة في غزة أمام حاضنتها الاجتماعية إذا ما صمتت وترددت أو تخاذلت عن الأخذ بثأر القائد مازن فقهاء أو استدراجها للرد وبالتالي إسقاطها بالاغتيال المباشر وعلى رأس القائمة السنوار ورفاقه القسّاميين في القيادة.

مراجعة شاملة لفصل العسكري عن السياسي

ولعل الحملة التي تشنها وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأيام والتي تبالغ في القدرات العسكرية لحركة حماس ومن بينها تقارير تتحدث عن امتلاك حركة حماس ترسانة صواريخ جديدة تحمل كميات كبيرة من المتفجرات ما يشير إلى بداية تهيئة للرأي العام الداخلي والخارجي للقيام بعملية عسكرية نوعية في قطاع غزة تعيد تدمير البنية التحتية التي رممت في السنوات الثلاث الماضية.

وتشطب مجموعة من القيادة الجذرية في الحركة، لتفتح الطريق مجددا “لعواجيز” الحركة وبراغماتييها.

لم يعد خافيا على أحد أن انتخاب السنوار والمجموعة الصقرية لقيادة قطاع غزة مثّل انتصارا لتيار يرتبط بعلاقات مميزة من إيران ويتلقى الدعم الثابت والمستمر تدريبا وتسليحا وتمويلا، وهو ذات التيار الذي تصالح مع القاهرة ورسّخ آليات عمل وتبادل للمعلومات مع الأجهزة الأمنية المصرية بما في ذلك الضرب بيد من حديد على المجموعات السلفية المتشددة التي تشكل الرافد الرئيس لجماعة بيت المقدس الإرهابية في سيناء.

أما التيار الآخر وهو المجموعة المقيمة في الدوحة وعلى رأسها خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للحركة، والذي يوصف بالواقعية والبراغماتية السياسية، فهو الذي يدفع باتجاه تجديد برنامج حماس السياسي باستيعاب المتغيرات الإقليمية والدولية وكذلك الضغوط الهائلة والنصائح من أجل تفادي وسمها بالإرهاب، وذلك بقبول البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير الفلسطينية والدولة على جزء من الأراضي الفلسطينية والاعتراف بإسرائيل.

ويدعو هذا التيار إلى فصل العسكري عن السياسي على غرار التجربة الأيرلندية، جناحي الشين فين والجيش الجمهوري. وتصل المراجعات إلى تحويل حماس إلى حركة وطنية سياسية مدنية، وفصل الدعوي عن السياسي على غرار التجربتين التونسية والمغربية.

المؤشرات التي حملها انتخاب مجموعة الصقور لقيادة الحركة في غزة تشير إلى عمق الأزمة التي يواجهها تيار الدوحة – أنقرة، فالاتهامات العلنية لمشعل تصل إلى حد الاتهام بأن “كل العلاقات الإقليمية والدولية التي نجح فيها هذا التيار لم تنقذ حماس وسلطتها في غزة من الأزمة المالية الخانقة، ولا ساهمت في فك الحصار أو حل المشاكل اليومية المتفاقمة لنحو مليوني إنسان يعيشون ظروفا لا إنسانية”.

انتخاب مجموعة الصقور لقيادة حركة حماس في غزة يشير إلى عمق الأزمة التي يواجهها تيار الدوحة – أنقرة

انقسام داخلي

يقول منتقدو مشعل داخل حماس إن “أزمة الرواتب لما يقارب 40 ألف موظف مدني وعسكري تشكل فضيحة للحركة”، حيث تلجأ مع نهاية كل شهر إلى نظام البدلات المالية المتواضعة عن الرواتب لسد الرمق أو منح الموظفين أراض حكومية بدل رواتبهم المتراكمة. ولم تتمكن دولة قطر من تسديد فاتورة الرواتب إلا لشهرين.

ووقعت في ذات المأزق الذي وقعت فيه حكومة الرئيس عباس في رام الله، إذ امتنعت عن تغطية ميزانية رواتب جماعة حماس تحت تهديد الداعمين والمانحين. وباتت هذه القضية عقدة العقد في مسار المصالحة واستعادة الوحدة.

والأمر ذاته ينطبق على الوعود التركية بمحطة الكهرباء العائمة وأخرى لتحلية المياه أو الميناء والمطار والتي ذهبت كلها أدراج الرياح. ولا تذكر تركيا اليوم إلا بمكرماتها الخاصة باستيعاب الجرحى والمنح الدراسية أو دعم المؤتمرات التنظيمية والجماهيرية لحماس.

مع ترجيح كفة الانتخابات الداخلية لصالح التيار القسامي أو الداخل، كما يوصف. يقف تيار الوسط وأبرز رموزه إسماعيل هنية المرشح الأقوى لخلافة مشعل في رئاسة المكتب السياسي وكذلك العلمي وموسى أبو مرزوق، بانتظار اتضاح الرؤية والانتهاء من الانتخابات الداخلية في الخارج وبعض السجون.

حتى اللحظة تعيش قيادة حركة حماس تحت ضغط الواقع الحياتي والحصار المستمر للقطاع والتهديدات الأمنية المتواصلة. ولهذا تحاول الحركة تغليب سياسة ضبط النفس والامتناع عن إطلاق التهديدات الفارغة، والسهر على حفظ أمن الحدود مع إسرائيل والبطش بالتيارات السلفية وامتدادات القاعدة وداعش، والقناعة الراسخة اليوم في القطاع هي أن إسرائيل تخطط لعملية عسكرية كبيرة ولا تنتظر سوى الشرارة التي تشعل الحريق، وتعيد خلط أوراق اللعبة داخل حماس وفي الساحة الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

7