اغتيال ناهض حتر: القتلة يصنعون الكتاب

الخميس 2016/09/29

تعامل الوسط الثقافي والسياسي اللبناني مع اغتيال ناهض حتر أمام قصر العدل في الأردن بوصفه فعلا مدانا بغض النظر عن أسبابه. تشارك الممانعون وخصومهم الرأي نفسه في هذا المجال، وخرجت مجموعة أصوات صادرة عن أفراد ترحّب علانية باغتيال حتر دون أيّ تحفظ.

يؤكد هذا الاغتيال الذي كانت الدوافع إليه خارجة عن كل أسباب الاختلاف والتوافق مع القتيل، والتي كانت مرتبطة بانحيازه إلى جانب محور الممانعة في سوريا، أن السلطات التي تحدّد من هو الكاتب والصحافي قد باتت بشكل نهائي في يد القتلة.

انتماء حتر إلى عالم الكتابة والصحافة كان موضوعا جدليا وخاضعا للنقاش، ولم يكن محسوما قبل اللحظة الذي اغتيل فيها بسبب ما اعتبره القاتل ومن ينتمي إليهم مسا بالذات الإلهية.

عينه القاتل كاتبا وصحافيا، وبات قتله مدانا انطلاقا من هذا التوصيف الذي ألغى الاختلاف والتناقض معه دفعة واحدة، وأدرج موضوع الاغتيال في باب تصفية المثقفين وإسكات أصحاب الرأي.

هكذا سمح الاختلاف الملغى بأن يكون كل ما كان حتر ينادي به مجرّد وجهة نظر.

وجهات النظر يمكن أن تناقش لأنها، ولو انطوت على الكثير من المغالاة والشطط، ولكنها تحرص على الانتماء إلى عالم المعقولية وتبقى داخل إطار الأفكار.

هكذا باتت كل أفكار حتر المدانة، والتي لم يستطع حتى من يتوافقون معه في وجهات النظر كجريدة الأخبار اللبنانية احتمالها، بعد الاغتيال مجرّد وجهة نظر تتسم بالمعقولية والقابلية للانتماء إلى عالم الأفكار.

بات الحضّ على تهجير الملايين من السوريين والتحريض على القتل شأنا عابرا يلغيه واقع الاغتيال، وتاليا نجح القتلة في تحقيق عدة أهداف بضربة واحدة؛ ألغوا حضور الشعب السوري في لحظة الإبادة التي يتعرّض لها، و أثبتوا أنهم يستطيعون وحدهم صناعة الكتّاب والمفكرين من عجينة الاغتيال فحسب، تاليا فإن كل الكتّاب والمفكرين الأحياء لا صوت لهم وليس لما ينادون به أيّ مشروعية ما داموا على قيد الحياة. كل هذا يعني أن الخطاب الوحيد هو من حق الذين يقضون اغتيالا.

هكذا انتصر خطاب الموتى وبات الأحياء بلا لسان.

المجال الذي يفتحه هذا المنطق خطير، فهو يقول إن السوريين هم على حق طالما هم تحت نير البراميل المتفجرة، وطالما يتعرضون لأبشع أنواع الإبادات.

التعاطف مع مأساتهم وخصوصا مع التصعيد الكبير في حلب التي تباد تحت عين العالم المتعاطف يكمن في أن نجاتهم مستحيلة وموتهم أكيد، وتاليا فإنهم محقون لأنهم سيموتون، وكل خطاب الإدانة العام ينطلق من هذا الواقع المرعب.

كل الأطراف المشاركة في الجحيم السوري تنطلق من هذه المقاربة التي ساهم اغتيال حتر والمواقف منه في توضيحها. الأسد مدان في نظر الجهات الدولية التي تقف ضده لأن السوريين القتلى يقولون ذلك، وهم على حق لأنهم سيبقون في الموت. الأسد على حق في نظر من يقفون معه لأن القتلى يقولون إنهم ليسوا إرهابيين ولا تكفيريين، ولكنهم لا يستطيعون أن يثبتوا ذلك إلا حين يموتون.

الجميع يصدق القتلى، وهكذا فإن الخلاصة التي تبنى على أساسها مواقف العالم تقول إن الأسد مدان وإن السوريين ليسوا إرهابيين في الآن نفسه، ولكن الحجة الوحيدة التي تثبت صحة هذا التناقض هي الموت والموت فقط.

من هنا فإن الأسد ليس مدانا لأنه يقتل السوريين بل لأن خطاب القتلى كان يقول ذلك، والسوريون ليسوا إرهابيين لأنهم يموتون. الأمر كله لا يعدو كونه نوعا من التوقير العالمي للموتى في هذه المنطقة من العالم.

غريب أن يردّد مثقفون نفس منطق المنظومة الدولية التي تعترف بحق الموتى في الموت وتمنح خطابهم مشروعية طالما يستمرّون في الموت، في الوقت نفسه تمنع عنهم كل أسباب الحياة ولا تعطي لمن بقي منهم على قيد الحياة الحق في النطق والكلام.

من هنا فإن إدانة اغتيال ناهض حتر لأنه كاتب وصحافي تعيد إنتاج هذا المنطق نفسه بفظاظة شديدة، فالإدانة لم تنطلق من كونه إنسانا ولكن بوصفه كاتبا فحسب، ما يجعل صفة الإنسان تتناقض مع صفة الكاتب.

لا بأس في قتل الإنسان أو على الأقل لا يحظى الموضوع بالإجماع الذي حظي به فعل اغتيال الكاتب. قتل الإنسان قضية جدلية، ويمكن تبريره بأن يكون قتل الكاتب مدانا دائما.

إذن على الكاتب ألّا يكون إنسانا، هذه النتيجة المرعبة التي يخلص إليها المرء إثر تأمّل ردود الأفعال على اغتيال ناهض حتر.

كاتب لبناني

8