افتتاح المهرجان الوطني للفيلم المغربي في طنجة

هل يكفي الجمال التقني والفني لفيلم "سيد المجهول" أن يمنح الأمل لمستقبل السينما المغربية؟
الاثنين 2020/03/02
ضريح "سيد المجهول" نموذج لأضرحة مئات الأولياء المنتشرة في المغرب

قضى جمهور المهرجان الوطني للفيلم المغربي سهرته الأولى، السبت في مدينة طنجة، رفقة فيلم "سيد المجهول" للمخرج علاء الدين الجم. الفيلم الذي عرض في مهرجان "كان"، ضمن فئة “أسبوع الناقد”، يعود اليوم إلى المغرب، ليثير من جديد، جملة من الأسئلة عن موضوعه، وحول راهن السينما المغربية ورهاناتها.

هنا طنجة، في سينما “روكسي”، المجاورة لبيت الراحل محمد شكري، انطلقت وقائع المسابقة الرسمية للدورة 21 من المهرجان الوطني للفيلم، حيث شهد اليوم الأول عرض فيلم “سيد المجهول” لمخرجه الشاب علاء الدين الجم.

منذ مشهده الافتتاحي، كنّا أمام كاميرا تعد بالكثير من السينما، خاصة على مستوى التصوير، عبر المشاهد والخلفيات الكبرى التي التقطها المخرج من زاوية شاعرية، جعلتنا نتشوق ونتشوف إلى تتبع العمل.

كان رجال الأمن يطاردون بطل الفيلم، وهو لص فرّ بمقدار كبير من المال، فلما أيقن أنه لا مناص له منهم، ترجّل من سيارته وصعد مرتفعا كبيرا، وأخفى المال في التراب، وأحاطه بأحجار كثيرة، على هيئة قبر، حتى لا يتجرأ أحد على حفره ومعرفة سره.

لئن برع علاء الدين الجم على مستوى الصنعة السينمائية، فإن ما ظل ينقص الفيلم هو التشكيل السردي والبصري

اعتقل اللص وقضى عقوبته في السجن، فلما عاد إلى مكان القبر وجده قد تحوّل إلى ضريح وليّ صالح، إذ لما اكتشف سكان القرية قبر هذا الرجل المجهول اتخذوه مزارا، وشيّدوا عليه بناء خاصا، وأطلقوا عليه اسم “سيد المجهول”، أو “مزار الولي المجهول”.

بقدر ما جرى تصوير هذه الحكاية التمهيدية برشاقة سينمائية، بقدر ما استغرقت محاولة استعادة الأموال كل زمن الفيلم. وهو ما دفع المخرج إلى تمطيط الأحداث وتكرارها، عبر إعادة وتأجيل محاولات اقتحام الضريح ليلا، لأخذ الأموال. بل إن اللص سوف يتراجع عن اقتحام الضريح وأخذ الأموال في فرصة مناسبة وسانحة، يوم غاب الحارس وكلبه عن حراسة الضريح. لكن اللص سوف يصيبه الذعر، بسبب أصوات الرعد في تلك الليلة الاستثنائية، وكاد يصدق بأن الأمر يتعلق ببركة الولي الصالح “سيد المجهول”، والحال أن اللص نفسه هو الذي صنع هذا القبر الذي لا توجد فيه غير الأموال التي أخفاها هناك. هكذا، أخذ البطء يستحوذ على الفيلم ويدفع المتلقي إلى حدّ الملل. مرة قال المخرج الأميركي فرانك كابرا إنه “لا وجود في السينما لقواعد، ثمة فقط خطايا ينبغي تجنّبها، والخطيئة الأولى هي الملل”.

جماليات البطء

التمطيط الممل
التمطيط الممل

لعل هذه الخطيئة هي التي جعلت من سينما الجم سينما بطيئة، في هذا العمل الأول. وربما تعلّق الأمر بنوع من جماليات البطء، كما امتدحه ميلان كونديرا، نكاية بالسرعة التي تحكم عالم اليوم. وقد يستمد هذا البطء جماليته من وضع القرية، حيث تجري الأحداث ولا تكاد تجري أصلا. فالقرية عبارة عن أرض بوار، لا تنبت شيئا، بينما يعيش أهلها على الصدقات التي يتركها من يقصدون ضريح “سيد المجهول”، حين يتصدّقون ببعض الدراهم على الضريح.

لأجل ذلك، يتكرّر مشهد الأسر التي تغادر القرية نحو أمل في الحياة. وحده “السي إبراهيم” الذي يصرّ على التعلّق بالقرية، ويصلي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر. وهو الوحيد الذي يمقت ضريح “سيد المجهول” ويعتبره السبب الذي جعل أهل القرية تعساء وخاملين لا يبحثون عن بديل لبث الحياة في قريتهم. وقد حاول “السي إبراهيم” هدم الضريح ذات مرة، لكن أهل القرية سيمنعونه من ذلك. ثم ما بعدها سوف يموت الرجل ليدفنه ابنه في الأرض القاحلة التي كان يحاول الأب حرثها دون جدوى.

ليس في القرية ما يبعث على الحياة، وهي لا تكاد تستيقظ إلا على وقع المتفجرات التي يستخدمها العمال الذين يشقون طريقا يعبر القرية. وهنا، تنبه ابن “السي إبراهيم” إلى طريقة للتخلّص من ضريح “سيد المجهول”، حين أخذ تلك المتفجرات التي تفتت الصخور، ووضعها أمام الضريح، ليقوم بتفجيره في الوقت الذي قدم اللص لأخذ الأموال التي أودعها هناك. أصيب اللص في هذا الانفجار، أما ابن السيد إبراهيم فقد عاد ليتفقد مكان الضريح، وليطمئن على تدميره، فوجد بين الأنقاض الحقيبة وما فيها من الأموال. وهو الابن الذي كان قد اعتزم الرحيل عن القرية بعد موت والده.

فيلم مستعار 

فيلم ناجح شكلا
فيلم ناجح شكلا

لئن برع علاء الدين الجم على مستوى الصنعة السينمائية، فإن ما ظل ينقص الفيلم هو التشكيل السردي والبصري لحكاية تحمل تصورا للحياة وتمثيلا سينمائيا لها. والحال أن قصة الفيلم مستعارة من فيلم “الزفت” للمسرحي المغربي الكبير الطيب الصديقي، حيث حال وجود ضريح ولي صالح دون شق طريق أساسية في إحدى القرى. وإذا كان المخرج قد تأثر أيضا بسينما داود أولا السيد، على مستوى التصوير وفضاءاته، فقد تأثر بحكاية فيلمه “الجامع”، والذي يحكي فيه داود قصة مخرج صور فيلما في إحدى القرى، ووضع ديكور مسجد، من أجل بعض المشاهد، وبعدها اتخذه سكان القرية مسجدا حقيقيا، الأمر الذي جعل صاحب الأرض التي وضع عليها الديكور يفقد أرضه. وهي أيضا حكاية سابقة في السينما المصرية، في فيلم يعود إلى مرحلة الخمسينات من القرن الماضي، ويحكي قصة تصوير فيلم سينمائي في إحدى قرى الريف المصري. وفي أحد المشاهد، تم دفن شخصية من الفيلم في أرض خلاء. وخلال الأيام التي جرى فيها تصوير الفيلم، سيقوم سكان قرية مجاورة بدفن موتاهم في تلك الأرض، إلى جانب القبر “السينمائي”.

فاصل كوميدي

رشاقة سينمائية
رشاقة سينمائية

لقد تنبّه المخرج المغربي علاء الدين الجم إلى المسار الذي يقود فيلمه نحو “الملل”، والإيقاع الرتيب للأحداث، بسبب ندرتها أصلا. وهنا، لجأ إلى ما يشبه الفاصل الكوميدي، الذي تتفاعل معه القاعات في احتفالية “الفرجة السينمائية”. وبدأت المشاهد الكوميدية في الأداء الساخر لحلاق القرية، ثم بعد قدوم طبيب إلى القرية، حيث تزوره نساء هذه القرية، وهن يصفن له أمراضهن العجيبة، فمنهن من تمرض الأربعاء والجمعة فقط، فيعطيها دواء يجب أن يستعمل الأربعاء والجمعة، بناء على توجيهات الممرض الذي يعرف النسوة، ويعرف أنهن يعتبرن زيارة الطبيب بمثابة نزهة وذريعة لمغادرة بيوتهن، في قرية أهلكها الجفاف، فلا ماء فيها ولا حياة. بينما لا يزور الرجال طبيب القرية، لأنهم إنما يتداوون ببركة الولي الصالح “سيد المجهول”، الذي لا وجود له أصلا.

ولعل هذا هو الرابط التأويلي بين البنيتين الدرامية والكوميدية للفيلم. سوى أن هذه المشاهد أو “الفواصل” الكوميدية كثيرا ما تكررت، في صيغة المشهد الواحد، حيث تجلس امرأة أمام الطبيب، بينما يقف الممرض من ورائه وهو يقدّم له الدواء المناسب لكل حالة. بينما وصلت هذه الفواصل الكوميدية إلى درجة المبالغة، في مشهد وضع أسنان ذهبية لكلب حارس الضريح!

وما بين هذا البطء على مستوى أحداث الفيلم الرئيسية، وما بين تلك الفواصل الكوميدية الشيقة، لولا تكرارها وتمطيطها، أيضا، قدّم لنا علاء الدين الجم فيلما ناجحا شكلا وأملا في المستقبل، حيث يظل يثير العديد من التساؤلات ومن الآمال أيضا، وهو يمثّل نموذجا من التجارب الجديدة التي ينتظرها الكثير، وهي قد تقود السينما المغربية نحو الأفق المأمول، وقد تقودها نحو المجهول.

17