افتتاح بارد لثلوج "إيفريست" لا يثير الاهتمام في مهرجان فينيسيا

أخيرا بعد دعاية كبيرة سبقت عرضه في افتتاح الدورة الـ72 من مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي، عرض فيلم “إيفريست”، وهو من الإنتاج المشترك بين بريطانيا وأميركا وآيسلندا.
الجمعة 2015/09/04
تنافس محموم بين الإنسان والجبل

فيلم افتتاح مهرجان فينيسيا السينمائي لهذا العام جاء بعنوان “إيفريست” وهو من إخراج المخرج الآيسلندي بالتازار كورماكور، ويضم طاقما كبيرا متعدد الجنسيات من الممثلين من بريطانيا كيرا نايتلي وإيما طومسون، ومن أميركا جوش برولين وجاك غلينهال، ومن أستراليا جايسون كلارك، ومن آيسلندا إنجفار سيغوردسن.

ومنذ نحو سبع أو ثماني سنوات، يتبع مهرجان فينيسيا تقليدا يتمثل في افتتاح المهرجان بفيلم أميركي من الإنتاج الكبير عادة، أي من إنتاج شركات هوليوود في محاولة لجذب أكبر عدد ممكن من نجوم السينما للسير على البساط الأحمر، ومنافسة مهرجان “كان”، في تلك الظاهرة الاحتفالية التي يتصوّر القائمون على أمر المهرجان أنها تجذب الجمهور.

والحقيقة أنها تجذب أكثر صفحيي المنوعات ومصوري وكالات الأنباء وقنوات التلفزيون الذين يتجمعون بالمئات لالتقاط الصور واللقطات، بعد أن تحول هذا الحدث إلى ظاهرة تجارية أيضا.

حقق المهرجان خلال السنوات الأخيرة نجاحا عندما نجح في اقتناص العرض العالمي الأول في الافتتاح لأفلام مثل “غرافيتي” (أو جاذبية الأرض)، ثم “بيردمان” اللذين فازا بعدد مشهود من جوائز الأوسكار في ما بعد، وهو ما شجع المهرجان على الترحيب بعرض “إيفريست” في افتتاح الدورة الجديدة، قبل أن تبدأ عروضه التجارية العالمية في الثامن عشر من الشهر الجاري.

وقائع حقيقية

يعتمد فيلم “إيفريست” على قصة حقيقية، فهو يعيد تصوير الكارثة الإنسانية التي وقعت قرب قمة جبل إيفريست، أعلى قمة جبلية في العالم عام 1996، عندما قتل خمسة من أفراد فريقين من المتسلقين بلغ عددهم وقتها نحو 35 فردا، وذلك بتأثير عاصفة ثلجية قاسية. هذا الموضوع ربما كان يستحق اهتمام مخرج مثل الألماني فيرتر هيرتزوغ، المعروف بمغامراته المقدامة في عالم تسلق الجبال والبحث في العلاقة بين الإنسان والطبيعة بشكل عام، وذلك من خلال فيلم تسجيلي يعيد بناء الأحداث التي سبقت الواقعة.

وكان مثل هذا الفيلم يمكن أن يكون بالتأكيد أكثر إثارة للاهتمام من فيلم كورماكور الذي يعيد رواية الوقائع، دون أن يشغل نفسه بالتأمل كثيرا في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وفكرة تحدّي الطبيعة، والبحث عن الخطر والمغامرة المستحيلة، ومجازفة الإنسان بحياته رغم أن هناك على الجانب الآخر من العالم، من ينتظره ممن يحبونه؛ زوجة وأبناء.

الفيلم يفشل في دفع المشاهد إلى التأمل في ما وراء الرغبة العنيدة لدى الإنسان في البحث عن الخطر واجتياز المجهول

واستناد أيّ فيلم إلى أحداث حقيقية ليست ميزة في حدّ ذاتها، ولا تكفل مقدّما نجاح الفيلم في جذب الجمهور، بل ويمكن أن تصبح أيضا سببا في فشله للوصول إلى عقول وقلوب المشاهدين.

هنا يدور تنافس (أساسه تجاري) بين فريقين من المتسلقين اللذين يرغب كل من المشرفين عليهما أن يسبق الآخر، لكن أحدهما يدرك مغبة هذا النوع من التنافس وما يمكن أن يسببه من اضطراب، فيعقد اتفاقا مع منافسه على التعاون المشترك. هناك معسكران عند ارتفاعات معينة من الجبل يقيم فيها فريق من المساعدين والأطباء، يتولون تنسيق عملية الصعود وتوجيه النصائح الطبية وإجراء الاتصالات مع أهالي المتسلقين عبر تليفونات تعمل بالأقمار الاصطناعية، ويحمل المشرف على الفريق جهاز تليفون أيضا يتصل به مع فريق التنسيق في المعسكرين.

وقمة إيفريست تبلغ نحو 30 ألف قدم، وتقتضي المجازفة بالصعود إليها، تدريبات تستغرق أربعين يوما تقدمها شركات خاصة هي التي تعيّن المشرف الذي يصاحب مجموعة المتسلقين.

يبدأ الفيلم بمشهد يدور في هضبة كتماندو، حيث يستعد المتسلقون وهم متنوعو الجنسيات، بينهم أحد الهنود ويابانية وروسي إلى جانب الأميركيين، ويتابع بعد ذلك مغامرة الصعود والمشاكل والمعوقات التي تطرأ ومفاجآت الطبيعة القاسية والمناخ المتوحش في تلك المنطقة الفريدة من العالم.

في أحد المشاهد يعترض أحدهم على فكرة التنافس بين الفريقين فيقول له المتسلق الروسي: “التنافس هنا ليس بين البشر، بل بين الإنسان والجبل، والجبل هو صاحب الكلمة الأخيرة في النهاية”.

وهذا بالضبط ما يحدث، فالجبل يعبر عن غضبه، ربما من انتهاك خصوصيته، ويلقي بكتله الجليدية فيدمر ما صنعه الإنسان، ويقضي على طموح من أرادوا تحقيق شرف الوصول إلى قمة هذا الجبل العنيد، يموت منهم من يموت، وينجو من ينجو بعد أن يفقد عينه أو كف يده أو أنفه كما نرى.

غياب الحبكة

مشكلة هذا الفيلم رغم مناظره الاستعراضية المنفذة بحرفية بارعة، أنه أولا، لا يمتلك حبكة ما تتصاعد، بحيث تحتوي كل هذا الكم من اللقطات المتراكمة وتجعل لها مغزى ما، فمن حيث البناء لا يخرج الفيلم عن مجموعة من المشاهد المثيرة المتراكمة، التي لا تؤدي إلى شيء سوى وقوع ما كان منتظرا من اللحظة الأولى، أي مصرع البعض ونجاة البعض الآخر.

الجبل يعبر عن غضبه، ربما من انتهاك خصوصيته، ويلقي بكتله الجليدية فيدمر ما صنعه الإنسان نفسه

كما يتجه الفيلم في الثلث الأخير منه نحو الميلودراما الفجة، عندما يركز كثيرا على العلاقة بين المدرب الذي يوشك أن يلقى مصيره بالموت وسط الثلوج، وزوجته الشابة (تقوم بالدور كيرا نايتلي) التي تتحدث إليه هاتفيا، وتبكي كثيرا لتثير إحساسنا بالأسى والشفقة، خاصة وأنها تنتظر وضع مولودة اختار لها الأب الاسم مسبقا. المشكلة الثانية أن المخرج اختار تصوير الفيلم بتقنية الأبعاد الثلاثة، وهي ربما تكون قد نجحت أحيانا في جعل الأشخاص يبدون أصغر مما يبدون عادة على الشاشة، بل مثل مجموعة من الصراصير التي تتسلق الجبل الأبيض المغطى بالثلوج، أو عندما نراها معلقة فوق أسلاك مزدوجة تعبر فـوق مناطق شديدة الخطورة في الأسفل.

ومع ذلك وبوجه عام لم تضف الأبعاد المجسمة شيئا إلى الفيلم، ولم تنجح الكاميرا دائما في الاستفادة من إمكانيات المكان، خاصة وأن الفيلم يفشل في دفعنا إلى التأمل في ما وراء هذه الرغبة العنيدة لدى الإنسان في البحث عن الخطر واجتياز المجهول.

ولعل ما يسبب الارتباك في متابعة الفيلم، تعدد الشخصيات وإخفاء معالم وجوهها بالملابس الثقيلة الخاصة التي يرتدونها، وكثرة الحوار وتكرار المواقف، وصعوبة التفرقة بين الشخصيات بسبب انهمار الثلوج والانهيارات، الأمر الذي يجعل المرء أحيانا لا يستطيع التمييز بين الشخصيات، ولا أن يفهم بالضبط ما يقع لها.

هناك سؤال يطرحه أحدهم في الفيلم هو: ما الذي يدفع إلى الرغبة في تسلق الجبل والوصول إلى قمة إيفريست؟ ولكن ما نسمعه لا يبدو شافيا، وما نراه لا يبدو مقنعا بأننا أمام أشخاص يبحثون عن تحدّي الطبيعة، أو أن يثبتوا لأنفسهم أنه بوسعهم تحقيق المستحيل، بل لا تبدو نزعاتهم مثيرة لاهتمام المتفرج، ولعل هذا كان وراء ردّ الفعل البارد من جانب الصحفيين والنقاد في نهاية العرض الخاص للفيلم صباح الأربعاء.

دور جوش برولين نمطي أحادي البعد لا يضيف إليه شيئا، وكيرا نايتلي رغم جمال وجهها ورقتها، محصورة في دور سطحي تماما، هو دور الزوجة المحبة التي تنتظر عودة زوجها من المغامرة، وإيما طومسون تبدو وقد ضلت الطريق إلى هذا الفيلم، فبدت ضائعة وسط مناظره التي جعلت منها مجرد شبح وهي التي تمتلك طاقة تمثيلية كبيرة. بقي أن ننتظر ما سيكشف لنا عنه برنامج أفلام المهرجان من مفاجآت، بعيدا عن ضجيج الافتتاح.

16