افتحوا نافذة للمالكي كي لا يقود العراق إلى الجحيم

الاثنين 2014/02/24

حين انتهى حكم الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كان هناك عشرات الآلاف، إن لم نقل مئات الآلاف، ممن يستحقّون العقاب، وبعضهم في نظر من هم أقسى مني، يستحقون الإعدام.

لكن حكمة المتسامح الأكبر نيلسون مانديلا آثرت إنقاذ البلاد على الدخول في مستنقع الانتقام.

ولو كان هناك اقتراح بالسماح للقذافي بأن يذهب الى ملاذ آمن قبل مقتل آخر ضحية لحرب الإطاحة به، فإنه من الأسلم السماح له بالمغادرة لإنقاذ تلك الضحية ولتهدئة النفوس والدخول في مرحلة انتقالية، كان يمكن أن تحقن دماء الكثير من الانتقامات التي شهدتها ليبيا ومن حملات الاجتثاث التي خرّبت الدولة.

وهو اليوم حال بشار الأسد، الذي يستعد المجتمع الدولي لطي جميع جرائمه، ليس تسامحا معه بل كثمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سوريا والسوريين.

المالكي يبدو اليوم محاصرا، وليس أمامه سوى الاستمرار في الحكم، ولا بد من فتح نافذة له لمنع مزيد من الدمار وسلسلة طويلة من الآلام والضحايا، ليس تسامحا مع ما ارتكبه بل لإنقاذ ما يمكن ومن يمكن إنقاذهم من العراقيين.

إمعان المالكي في الهروب إلى الأمام سببه أنه يدرك أنه لا يمكن أن يفلت من المحاسبة إذا خسر الانتخابات، وليس أمامه أي بلد يذهب إليه لينجو من المحاسبة.

ليس هو فقط بل أيضا المئات من بطانته الذين اغتصبوا دون مؤهلات أكبر مناصب الدولة وارتكبوا الكثير من الجرائم وبدّدوا مليارات الدولارات من الأموال العامة.

الحكمة تقول: “إذا كنت في حفرة فعليك التوقف عن الحفر”.

لكن المالكي الغارق في حفرة عميقة يواصل الحفر بإيقاع مخيف منذ بداية ولايته الثانية، حين قلّص أدوار خصومه ومنافسيه بل وحتى حلفائه، واستأثر بجميع المناصب السيادية التي لا مجال لتعدادها، وهي تمتد من جميع الوزارات والمناصب الأمنية الى رئاسة الجمهورية التي يتولاها من هو تحت إمرته منذ فترة طويلة، وصولا إلى هيمنته على السلطة القضائية والبنك المركزي العراقي.

وقد أمعن في إحكام قبضته على السلطة وعيّن أتباعه في آلاف المناصب الأمنية والعسكرية وفي جميع مفاصل الدولة حتى أصبح خروجه من السلطة مستحيلا دون مخاض عسير.

وهو يقامر اليوم بإشعال الكثير من الحرائق للبقاء في السلطة، ويبدو مستعدا لإشعال المزيد منها على أمل الإفلات من ذلك المصير. ومن غير المستبعد أن يفجر العملية السياسية ويوسّع الحرب التي يقودها في الأنبار، وكذلك الصراع مع كردستان ويفتح جبهات كثيرة متوهّما أنها ستخرجه من الحفرة التي هو فيها.

هل علينا الانتظار حتى يدمر البلاد المدمرة أصلا ويؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا؟

وهل يمكننا أن نتخيل إرادة سحرية تفتح نافذة للمالكي وتعفيه من أية ملاحقات إذا خسر الانتخابات كي يتوقف عن فتح المزيد من أبواب الجحيم على العراق والعراقيين.

عفو شامل عن جميع السياسيين والعراقيين؟.. أعلم أنه سيكون مثيرا للجدل، ولا يقوى على إصداره البرلمان العراقي لأن الشارع الغاضب سيعتبر أنهم يصدرون عفوا عن أنفسهم.

ماذا لو كان العفو عن المجرمين هو السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد ومنع سقوط الملايين من الضحايا؟

في عالم مثالي وربما مستحيل، يبدو إسقاط الملاحقة القضائية عن جميع الساسة وإبقاء حق ملاحقة ما يمكن استرجاعه من المال العام، هو السبيل الوحيد لإنقاذ العراق والعراقيين الذين سيسقطون حتما، إذا لم يكن أمام المالكي من سبيل للإفلات من الملاحقة القضائية سوى بقائه في السلطة.

إذا خرج المالكي اليوم فلا يمكن لمن سيخلفه سوى التحقيق على الأقل في ملفات الفساد وعشرات المليارات المفقودة ولا يمكن لأي بلد في العالم أن يمنع تسليمه.

لكنه إذا واصل الهروب إلى الأمام وفجّر الوضع في العراق إلى ما يشبه الوضع في سوريا، فإن المجتمع الدولي سيضطر في النهاية لفرض تسوية تسمح له بالإفلات من العقاب، مثل ما هو متاح لبشار الأسد اليوم.

من أجل إنقاذ ما تبقى من العراق، هل من وسيلة لتطمين المالكي بأنه لن يُحاسب، كي لا يقود العراق إلى جحيم أكثر سعيرا من الجحيم الحالي؟.


كاتب وإعلامي عراقي

3