افتح بابا لتمرد أبنائك

التنشئة المنغلقة تخلق جيلا مشوها نفسيا واجتماعيا وتترك قلوبا محطمة وعقولا عاجزة.
الاثنين 2019/12/09
هم مبدعون

كان عملي في الصحافة تمردا فجا على مهنة التدريس، التي هي المهنة الوحيدة المعترف بها للنساء في أسرتي، بل العائلة بأكملها.

رفضت أمي تدربي في الصحافة رفضا باتا وقاطعا، استخدمت كل أسلحتها المشروعة كأم لتحافظ على أبنائها في ظل موت الأب شابا، وتحملها المسؤولية منفردة، بداية من التوبيخ والرفض وحتى الحبس في المنزل والحرمان من الخروج للحفاظ علي من غواية الكتابة، والجني المتخفي في هذا الوسط المنفتح بما لا يليق بتربيتها المتحفظة.

هددت بإلقاء كتبي في الشارع وإضرام النار في أخشاب مكتبتي التي جلبت نجارا محترفا لصنعها لتضم كتبي المدرسية وبعض روايات نجيب محفوظ، وكتابي رياض الصالحين وتفسير الطبري، المسموح بها، وشيئا فشيئا تزداد الروايات وكتب الثقافة العامة وتزيح كتابا من الكتب المدرسية القديمة، ومع كل كتاب توبيخ وحرمان من المصروف حتى أتطهر من إثم وإغواء القراءة.

لدى أمي اعتقاد لا يقبل المناقشة بأن كثرة اقتناء الكتب وتكدسها يجلبان الجرذان إلى المنزل، ويغريانها من أجل البقاء، بسهولة شديدة فرطت في ما تبقى من مكتبة أبي الثرية، العامرة بأمهات الكتب، وما خجلت نيران الحرب من أكله من الكتب أهدته أمي عن طيب خاطر لبعض أقارب ما كان لهم لمسها في حياة أبي!

حين دشنت سوزان مبارك مشروع القراءة للجميع كنت في مرحلة وسط بين إنهاء المرحلة الإعدادية وبداية المرحلة الثانوية أقرأ بشغف، وأدخر لشراء الكتب، حتى حين شاركت في المهرجان الأول من نوعه وفزت بمركز مرموق وألقيت أشعاري وقرأت قصتي القصيرة، على مسامع السيدة الأولى في مصر، ووزير الثقافة، لم يزد طلبي عن اقتناء المجموعة الكاملة لأحد الكتاب المفضلين لدي.

ظل إلقاء الأوامر بصرامة وعنف، والتربية المتحفظة شديدة القمعية يشكلان حاجزا للرد على بعض السخفاء في مواقف أكثر سخفا، ظل لساني يعقده الاحترام والخجل.

قصت علي صديقتي المقربة مواقف كثيرة أرادت فيها التمرد لبعض الوقت على منغصات كثيرة وأمور حياتية قاسية، إلا أن تربية والدها الصارمة ونقله لسلوكه العسكري إلى البيت شكلا حاجزا منيعا أمام تمرد أبنائه، فقط أوامر ونواه وحدود فاصلة دون السماح بمناقشتها.

تزوجت صديقتي مبكرا، واجهت تدبير أخت زوجها للمكائد ونصب الفخاخ لحياتها الزوجية ـ غيرة وحقدا ـ بالصمت المقهور، بالرفض المخبأ، لم تكن تفصح عن وجعها لأحد، لم تستطع الرد عليها حتى أنها كانت تواجه مواقف من السخف والشتائم والابتزاز الفج بنظرات مقهورة، ودموع حبيسة المآقي، إلى جانب الصمت الممرض المميت، أصيبت بمرض في القلب، قال الطبيب: إنه بسبب الحزن والكتمان.

خوف أبيها عليها قتل التمرد وخلق نوعا من التشوه النفسي وعدم القدرة على إعلان الرفض والإفصاح عن عدم الراحة، رضاه وفرحه بالطاعة والانصياع لكل أوامره دون مناقشات شجعها على تقديم نوع من الإنسياق المجاني وراءه، لترى تلك الابتسامة الشفيفة تزين وجهه، كانت لمعة عيني أبيها بتفوقها تشجعها، وضحكته الراضية بكلمات “حاضر، نعم” توئد رفضها المدفون تحت الجلد، تقتل تمردها.

التمرد طبيعة بشرية، إن لم نطلق لأبنائنا حرية التمرد الواعي لتحقيق أحلامهم لن نجني غير الألم النفسي، يظل الطفل يجرب ردود أفعال من حوله حتى يستقر على أن رد الفعل تجاه خضوعه للأوامر وامتثاله للنواهي هو الأفضل والأروع دائما، فلا أحد يشجع تمرده وإن كان مبنيا على أسس متينة، ولا أحد يستجيب لخروجه عن المألوف، إشعال الحماسة وروح المغامرة المحسوبة لدى الصغار من أفضل وسائل التربية الإيجابية السليمة.

التنشئة المنغلقة تخلق جيلا مشوها نفسيا واجتماعيا، ولا يجني أحد من ورائها شيئا يذكر، بل تترك قلوبا محطمة وعقولا عاجزة عن الإبداع، فالإبداع ذاته هو تمرد واع.

21