"افتح بنموت".. شعار مصر الضائق صدرها بالحوار

أسهل ما يمكن الاتفاق عليه في المشهد المصري هو تغييب الحوار والاستبداد بالميكروفون ومنصات الكلام في الصحافة والفضائيات، في سابقة سوف تحيّر لاحقا علماء الاجتماع والنفس والسياسة.
الثلاثاء 2018/11/13
مشجعون لنادي الزمالك رأوا الموت قبل مباراة ناديهم وإنبي في 8 فبراير 2015 في الدوري العام

دائما يتصف الكلام العمومي المجاني بأنه يقول كل شيء ولا يقول شيئا، وإلى هذا النوع ينتمي الهتاف الرئاسي “تحيا الإنسانية، يحيا السلام، تحيا الحضارة”. ولا أظن حوارا جادا يتأسس على الهتاف أو صاحبه إذا كان ضائق الصدر بأي حوار. وبنص هذا الهتاف أنهى عبدالفتاح السيسي كلمته الأسبوع الماضي أمام شهود عددهم خمسة آلاف شخص من 160 دولة، ضيوف “منتدى شباب العالم” في شرم الشيخ (3- 6 نوفمبر 2018). وفضلا عن شهود الضيوف على إعلان نية رئاسية للحوار، فإن الكاميرات نقلت تفاصيل جلسات الكلام. وقد ذكّرني المشهد كله باستياء وسخرية لم تخفها ملامح المخرج توفيق صالح، وهو يقول لي إن صديقه يوسف شاهين قال في برنامج تلفزيوني إنه مستعد لإنتاج فيلم يتولى صالح إخراجه. وبهذا الوعد التلفزيوني العابر نجا شاهين من لوم الذين اتهموه بإهمال صديقه، مجادلا بأنه أبرأ ذمته بتلك الدعوة إلى إخراج الفيلم، وينتظر أن يلتقيا لتنفيذ الاتفاق.

هل يستقيم ظلٌ في منتجع شرم الشيخ لحوار عودُه أعوج في القاهرة، وتحت قبة البرلمان؟ أسهل ما يمكن الاتفاق عليه في المشهد المصري الآن هو تغييب الحوار، والاستبداد بالميكروفون ومنصات الكلام في الصحافة والفضائيات، في سابقة سوف تحيّر لاحقا علماء الاجتماع والنفس والسياسة؛ فلم تمر مصر تحت أي ظرف بوليسي تفرضه الحروب بمثل هذا المنحنى الخطر الذي لخصه نداء شبان يواجهون الموت ذات مقتلة، صارخين “افتح بنموت”. كلمتان ربما لا يبقى غيرهما من حكم السيسي، وقد يكونان عنوانا لهذا الحكم، حين يقضي التاريخ بالحق. ولن يلتفت التاريخ إلى شبهة خطأ لغوي في إدخال حرف الباء على فعل “بنموت”، فبلاغة الحياة تجيز ذلك لحرف الباء؛ لتأكيد استمرار وقوع الفعل، أسوة بإجازته للأسماء “جاء الرئيس بعينه”، “بحسبك ما حكمت”. وبلاغة الموت تهزم قواعد اللغة، وتخترع قواعدها الخاصة.

وكان مشجعون لنادي الزمالك قد رأوا الموت، قبل مباراة الزمالك وإنبي في 8 فبراير 2015 في الدوري العام، بعد الاحتشاد أمام إستاد الدفاع الجوي بالقاهرة، وفرقتهم قوات الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع، والضحايا الذين تدافعوا إلى ممر يشبه القفص الحديدي محتجزون ويتعرضون للاختناق. وبشيء من الحكمة كان يسهل تجنّب الكارثة، لو فهم مسؤولو الأمن دلالة صرخة “افتح بنموت”، وسارعوا إلى فتح البوابة. وانتهت المأساة بحصد أرواح 22 مشجعا، وسرعان ما أطلق إلتراس وايت نايتس أغنية “افتح بنموت”، وفيها يراهنون على الحرية، ويتهمون قوات الشرطة بالظلم والتعذيب والقتل.

ماذا جرى في مصر؟ بالأحرى: ماذا جرى لمصر؟ لا أملك إجابة، وأعي معنى “كَسْر العين”، إذ يمارسه طرف قوي يريد إذلال طرف ضعيف مكسور العين. ولعل شعور المنتصر الذي يمنّ بالنصر على الشعب قد أمدّ أنور السادات بقوة تمنح سياساته شرعية بعد أكتوبر 1973، ولكن ذلك لم يمنع الندية السياسية والثقافية والشعبية التي فاجأت السادات. ففي يناير 1977 ثار الشعب رفضا لرفع أسعار بعض السلع فتراجعت الحكومة. وسياسيا، اعترض ثلاثة وزراء للخارجية على سياسات السادات تجاه العدو الصهيوني، وقدموا استقالاتهم مخافة الاشتراك في مسرح التنازلات. وثقافيا احتشد المثقفون المصريون في مقر حزب التجمع بوسط القاهرة، بعد توقيع معاهدة السلام مع العدو في 26 مارس 1979، وأسسوا “لجنة الدفاع عن الثقافة القومية” في 2 أبريل 1979، وكانت أصواتهم أكثر علوا وصدقا في الإعلان عن الثوابت الوطنية، ومقاومة التطبيع ورفض التبعية، والتأكيد على دور الوعي في مجابهة المشروع الصهيوني الاستعماري.

فماذا الذي جرى شعبيا وسياسيا وثقافيا وأفقدنا القدرة على مواصلة صرخة “افتح بنموت”؟ وأي شيء يكسر العين، ويمدّ حناجر المدافعين عن التنازل عن جزيرتين مصريتين بهذا الحد الأقصى للصلف والتبجّح؟ ربما الخوف وهو ضعف إنساني يمكن تفهّمه تفاديا للسجن، ولكنه الآن خوف منزوع الكبرياء يكشف عورات عجائز تجاوزوا الثمانين، ويفترض أن يطمعوا في رحمة الله، وهم لا يريدون فقدان أي جسر يربطهم بسلطة تستخدمهم، ولو في التقاط صورة تسوّغ سلوكا يدينه الحس الشعبي، وأيّده حكم تاريخي في 16 يناير 2017 للمحكمة الإدارية العليا، برئاسة القاضي أحمد الشاذلي، وجاء فيه أنه “استقر في عقيدة المحكمة أن سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها… وأن دخول الجزيرتين ضمن الأراضي المصرية واضح يسمو لليقين.. وأن الدولة لم تقدم أي مستندات.. تدعم بها موقفها بسعودية الجزيرتين”.

سأشير إلى نموذج واحد هو مفيد شهاب، ويتوقع لمن بلغ مثله سن الثانية والثمانين أن يزهد في أي منصب، باستثناء رئاسة الدولة وما هو ببالغه؛ فقد أعطته الدولة كل شيء في كل العصور. في عهد جمال عبدالناصر حصل على الدكتوراه من فرنسا، وتولى رئاسة منظمة الشباب عام 1968، ثم كان عضوا بهيئة الدفاع في قضية طابا أمام التحكيم الدولي، وتولى رئاسة جامعة القاهرة، فوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وأخيرا وزارة الدولة للمجالس النيابية والشؤون القانونية، وما كان يكسر هذا السريان الوظيفي في شرايين السلطة إلا ثورة شعبية، فكانت 25 يناير 2011. ثم عاد شهاب منطفئا إلى المشهد، في دور صمت قام به آخرون من الشياطين الخرس.

ففي 13 أبريل 2016 لقّنهم السيسي درسا في التنازل عن جزيرتين، والتفريط في مَلكات ألسنتهم فلم ينطقوا، ولو بعد تلك المحاضرة. ولا عذر للصامتين عن قول الحق، وقد أتيحت لشهاب مقابلة احتلت صفحتين كاملتين في صحيفة “المصري اليوم”، في 26 أبريل 2018، استعرض فيها مهاراته القانونية في قضية استعادة طابا، وأكد أن “عقيدة الجيش لا تسمح بالتنازل عن شبر واحد”، دون إشارة إلى التخلي عما هو أكبر من الشبر، عن جزيرتين إستراتيجيتين.

كراهية الحوار انتقلت إلى السيسي إلى علي عبدالعال رئيس البرلمان. ففي 14 يونيو 2017، رفض العشرات من الأعضاء ما سمي باتفاقية ترسيم الحدود البحرية، ورفعوا لافتات تؤكد مصرية الجزيرتين، وهتفوا “مصرية”. هتاف ولافتات أدى مثلها إلى سجن مواطنين غيورين على حدود البلاد ولا يتمتعون بحصانة برلمانية.

9