افتضاح رؤى ترامب للمسائل الدولية

الخميس 2017/12/28

جاءت وثيقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول “استراتيجية الأمن القومي في العام 2018” بمثابة تأطير لرؤيته المختلة، لطبائع العلاقة بين الولايات المتحدة الأميركية وسائر بلدان العالم.

ففي الوقت الذي تتحدث فيه الوثيقة، بلغة جامحة، عن قيادة أميركا للعالم، فإنها تجعل الصراع والمنافسات المحتدمة والضغوط على الحلفاء مثلما على الخصوم؛ وسائل لتحقيق هذا الهدف.

فبدل استفادة دونالد ترامـب، من نتيجة التصويت الإيجابي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، على مشروع قرار مضاد لإعلان القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، عاد لكي يتحدث في وثيقته عن قيادة العالم وعن منطق القوة، ويطالب الدول الحليفة، التي تعارض سياساته برفع نِسب الإنفاق العسكري من إجمالي مداخيلها، وكأن هذه الدول، لا سيما أوروبا قد أعجبت بسياسته أو أن العالم القديم سيقبل بإملاءات دونالد ترامب، فيما هو ينقلب على التقاليد السياسية للولايات المتحدة نفسها، وكذلك على مواقف أميركية معلومة حيـال الصراعات الدولية، أو فيما هو يؤسس لاتساع الفجوة بين أطياف مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة، ما يجعله غير مؤهل لتوحيد العالم وراء سياسته.

ليس أدل على الخفة والسياق الأخرق، من اضطراره قبل التصويت في الجمعية العامة على مشروع القرار الخاص بالقدس؛ إلى التهديد بقطع المساعدات عن الدول التي تصوّت إيجابا، ما يعني أولا أنه يدرك كون العالم لا يوافقه على ما ذهب إليه، ويعني أيضا أنه اعتقد مخطئا أن العالم سيخشى تنفيذ تهديداته، كما يعني أن توحيد العالم وراء هكذا سياسة، ليس أكثر من كلام غير ذي صدقية، وأمرا صعب المنال.

وعلى صعيد هذه المسألة تحديدا، ذهبت مندوبته لدى المنظمة الدولية، نيكي هيلي، إلى مزيد من الخفة التي أثارت التهكم، عندما صرحت بأنها ستكتب أسماء الدول التي ستصوّت لمشروع القرار، لكي تعتبرها ألحقت إهانة بأميركا لن يغفرها لها الرئيس الأميركي ولن تغفرها إدارته.

مندوبة الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية، تحدثت كما لو أنها تحمل العصا لتلامذتها، أو كأنها تجهل كون الإدارة الأميركية نفسها، تتلقى الصدمة تلو الأخرى، من جراء مواقف ترامب وتصريحاته. ففي منتصف السنة الماضية، سافر الرئيس الأميركي ومعه أركان الإدارة إلى العاصمة البلجيكية، حيث مقـر القيادة العسكرية لحلف الأطلسي، وعندما ألقى كلمته ذُهل مساعدوه من صناع القرار المتعلق بالأمن القومي الأميركي نفسه، عندما تجاهل العناصر المهمة في الخطاب الذي أعدّوه له، وارتجل عناصر أخرى، من بينها ما يطيح بالبند الخامس من اتفاقية الحلف، الذي ينص على أن تلتزم الدول الأعضاء بالدفاع المشترك على أي بلـد من بينها، يتعرض للغزو أو الهجوم.

وهو التزام منصوص عليه دون مقابل، لكن الرئيس الخارج عن كل منطق، استبدل هذا المبدأ في خطابه، قائلاً إن من حق أميركا أن تسترد من الآخرين كل الذي تنفقه من أموال مقابل الحفاظ على أمنهم ومصالحهم. ولعل هذا المنطق هو الذي تبدّى جليا من خلال تعاقداته مع السعودية.

كانت الأغلبية المعارضة لسياسة ترامب حيال القدس، سواء في مجلس الأمن، الذي اضطرت فيه مندوبة الولايات المتحدة إلى إشهار الفيتو ضد سائر الدول الأعضاء التي أيدت المشروع المصري، أو في الجمعية العامة التي هي برلمان العالم؛ أكثر من كافية لأن يتوقف الرجل أمام الحقائق ويستفيد منها من خلال النظر إليها بواقعية باعتبارها صدمة عنيفة تلقتها من الحلفاء أنفسهم.

في تناول ترامب شبه اليومي لموضوع الصراع في الشرق الأوسط، وفي مواقفه المنسجمـة مـع الغـرور الإسرائيلي والاستهتار بالإرادة الدولية وصم الآذان عن نداءات التعقل ومغادرة مربع العربدة والغرور؛ تتسم نبرته بالاستعلاء والإملاء والغلظة والانحياز المفضوح، الذي بات عبئا على الخطاب الأميركي التقليدي المبشر بالحرية وبالمزيد من الديمقراطية. فقد باتت الإدارة الأميركية في عهد ترامب، تتبع سياسة مطابقة للسياسة الإسرائيلية التي تدير ظهرها للعالم، حتى في مسائل تتعلق بالمناخ والاحتباس الحراري، وتعتمد مبدأ الإقرار بالقوة في ممارسة السياسة، وهذا مبدأ مهـزوم في المحصلة وبالمعيار التاريخي.

وليس أدعى إلى الاستغراب، من اهتمام ترامب بما يسميه دور القوة في الحفاظ على دول حلف الأطلسي ومواجهة التهديدات التي تتعرض لها، ذلك علما بأن هذه الدول لا تتعرض لمثل هذه التهديدات التي اختلقتها ذهنيته، ودفعته إلى المطالبة بزيادة الإنفاق العسكري إسهاماً من الدول في حماية نفسها.

إن رئيس الولايات المتحدة، الذي يتمادى في نزعته إلى قهر الأمم واستصغار شأنها، يُنصّب نفسه حكيما دونما حكمة، وعالما بالتاريخ، وخاصة تاريخ فلسطين والقدس، دونما علم، ومؤهلا لتوحيد العالم وراءه دونما فلاح في توحيد مؤسسة الحكم في الولايات المتحدة، وحريصا على حلفائه الأوروبيين دون تأييد من هؤلاء لسياسته. وهذا منحى محكوم عليه سلفا بالانكسار بعد الافتضاح.

كاتب وسياسي فلسطيني

8