افتعال الصراعات لعبة أميركية للهيمنة على العالم

الاثنين 2015/01/19

عندما سقط جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي إلى دويلات، كتب التاريخ انتصار الولايات المتحدة الأميركية، حيث سوّقت أفكارها السياسية والاقتصادية، باعتبارها نهاية التاريخ، كما كتب المفكر الأميركي " فرانسيس فوكاياما ". وكانت محصلة ذلك أنه من أراد أن يرتقي في سلم التقدم والتطور، فما عليه إلا أن يحتذي بالولايات المتحدة، ومن تأخر فعليه أن يمتطي القطار سريعا قبل فوات الأوان، إلاّ أن هذه السكرة ونشوة الانتصار لم تستمر كثيراً، ليخرج مفكر آخر اسمه " صموئيل هنتنغتون "إلى العلن، ويعلن إنه إذا ما انتهى الصراع الأيديولوجي باختفاء الشيوعية من الوجود، فإننا مقبلون على نوع آخر من الصراع، وسيكون هذه المرة للدين والثقافة حضور قوي فيه. وكعادة العقل الاستعماري، قسمَ العالم إلى محاور متنافسة، حيث جعل العالم الغربي من جهة، وفي الجهة المقابلة جعل عالم الإسلام والحضارة الكونفوشيوسية والأرثودوكسية... وغيرها.

كان الغرض من هذا التقسيم هو التأسيس لعالم الصراع، بعدما سُوق إعلامياً وسياسياً بأنه بمجرد سقوط الاتحاد السوفييتي، تنتفي مسببات الصراع، وتنعدم أسباب الحروب، لذلك تسرع فوكاياما بإعلان أطروحته التي تعتمد على السلام، كطريق لبناء العالم الديمقراطي، وذلك بالإصلاح السياسي والاقتصادي، لأن الديمقراطيات، حسب رأيه، لا تتحارب.

عالم الصراع الذي أسسه هنتنغتون، من جهته، هو عالم لا يعترف بتعدد الآراء والثقافات، بل هو عالم أحادي، إما أن تكون معي أو أنت ضدي.

ومن ثمة جاءت هذه النظرية الجديدة لتدلّ على فشل الولايات المتحدة في قيادة العالم، وعجزها عن مواجهة أزماته، التي يتخبط فيها، ناهيك عن إيجاد حلول لها. ولأن حلم الإمبراطورية، مازال يدغدغ العقل الأميركي، حيث أنها مازالت مخيرة بين الهيمنة أو البقاء، على حد تعبير نعوم تشومسكي. وبما أنها اختارت الخيار الأول، فإن طريق الهيمنة يتطلب التخلص من أي عدو مستقبلي قد ينافسها في القيادة، لذلك لا بد من افتعال الأزمات، وصناعة المشكلات، للتخلص من الأعداء الصغار، وتلهية العدو الكبير.

ووفق هذا المنطلق، أصبح العدو بعد نهاية الحرب الباردة مختصراً في الجماعات والتنظيمات الصغيرة، حيث يسوّق بأنها الخطر الداهم الذي يهدد الأحرار في العالم، في حياتهم، وفي طريقة عيشهم، لذلك يجب مواجهته بكل الطرق، ومجابهته بكل الوسائل. فمن جماعة الطالبان في أفغانستان، إلى تنظيم القاعدة وزعيمها أسامة بن لادن، مرورا بقاعدة بلاد الرافدين وبلاد المغرب العربي، وصولا إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، مازال الغرب يحارب، والعرب يدعمون، والأوطان تدمر، وجغرافيتها تتفكك.

ويظل السؤال المطروح بعيداً عن السياق الغربي المرسوم سلفا هو: هل تشكل هذه التنظيمات خطراً حقيقياً على العالم الغربي، أو أنّ الأمر لا يعدو أن يكون سوى خطة غربية من أجل بسط نفوذه على المنطقة العربية، باعتبارها موقعا استراتيجيا مهما وتحتوي على ثروات طبيعية مغرية؟

وفي سياق متصل، وفق ذات المنهج، يثار سؤال آخر مفاده؛ لماذا تتصف هذه الجماعات والتنظيمات بكونها إسلامية فقط، دون غيرها من التنظيمات الأخرى التي تمارس العنف في حق الأبرياء، تحت مسوغات الدفاع عن النفس، كالمستوطنين الإسرائيليين مثلا؟ فهل أضحى التطرف لصيقا بالدين الإسلامي والمسلمين فحسب؟

وفي سياق محاولة الإجابة عن بعض هذه الاستفسارات، لا مناص من الإشارة إلى أنّ هنتنغتون عندما اعتبر أنّ الإسلام يشكل خطراً على الغرب، بما يحمله من قيم لا تستطيع المنظومة القيمية الغربية أن تستوعبها أو تحتويها. هو بذلك يسوق لفكرة مفادها أنّ حالة الصدام أكيدة، فالصدام هو ما يبحث عنه العقل السياسي الأميركي، لأنه لا يؤمن بوجود الآخر، الواعي بذاته والمهموم بقضيته، والصانع لأمجاده الراهنة والمستقبلية. أماّ الآخر التابع، فهو بالتحديد الذي يريده. والكل يتذكر عندما عارضت فرنسا وألمانيا غزو العراق، كيف كانت ردة فعل الإدارة الأميركية تجاههما، حيث تهكّمت على هذه المعارضة بأنّها من "أوروبا العجوز"، أمّا أوروبا الجديدة فهي سائرة في الركب الأميركي لا محالة.

إن النظام الذي تقوده أمريكا لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة دون إثارة المشكلات وافتعال الأزمات، فهو يتنفس الصراع، ويتغذى على الحروب، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تقود حرباً ضدّ الصين أو روسيا أو أوروبا، لأنها تكلفها الكثير، لذلك فهي تخلق كل مرة أعداءً جدداً يسمحون لها بممارسة هوايتها المفضلة، وهي بذلك تغذي نظامها، وتعمل على تحطيم أعدائها الكبار تدريجياً. أما الطرف الأضعف فهو العرب، فيكفي أن تخلق منهم العدو، بشرط أن يكون بـ"الزي الإسلامي"، وتتركه يسرح ويمرح ويفسد، وبذلك يشك العرب في دينهم وتعاليمه السمحة، فيدخلون في معارك هامشية وصراعات تافهة، حيث الكل يصطف لمذهبه وينتصر لأفكاره، وينسون القضايا الكبرى المهمة، وعندما يستولي الشك على الإنسان العربي فإنه سيبحث عن روافد وبدائل أخرى، الثابت أنه سيجدها حتماً في القيم الغربية حيث الديمقراطية والتطور والرقي، وهذا هو مربط الفرس.

وبذلك يصل العالم، بعد هذا الصراع الطويل إلى الهيمنة الأميركية، وتتحقق نبوءة نهاية التاريخ. بمعنى آخر، ننطلق من عالم هنتنغتون حيث الحروب والصراعات، لنصل إلى عالم فوكاياما حيث الهيمنة للمشروع الغربي وقيمه على العالم، والسؤال الذي يطرح: هل يتحقق هذا السيناريو المفزع والمؤلم؟

ربما، ومن حق الأمريكيين أن يحلموا ويخططوا، وليست هذه هي المشكلة، إنما المشكلة في أولئك الذين يرتضون القيام بدور وظيفي، كحال العرب في كل مرة، فأرضهم تشهد الحروب، ومن أجل ثرواتهم تعلن، وهم الخاسرون في النهاية.

تتلخص أزمة العالم إذن، في عالم يريد أن يسيطر ويهيمن، وهو من أجل ذلك يستعمل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فالغاية عنده تبرر الوسيلة، وآخر يقاوم ويمانع هذا المشروع بكل ما أوتي من قوة.

وفي الأخير، هل نحن بحاجة إلى نظام عالمي جديد، يعيد للبشرية اعتبارها، ويعلي من شأنها، ويحترم تنوعها واختلافها؟ الأكيد أننا أضحينا في أمسّ الحاجة إلى ذلك.

6