افتعال المشاكل والانفراد بالحلول: نهج بوتفليقة للبقاء في السلطة

الجمعة 2018/01/19
يحكم البلاد بعقلية التسعينات

الجزائر - يسير الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة في طريق تكريس نظرية إثارة المشاكل وإطلاق الحلول من أجل الاستمرار في السلطة. فإثر احتجاجات منطقة القبائل الأخيرة أقر 12 يناير (رأس السنة الأمازيغية) عيدا وطنيا وإجازة مدفوعة الأجر، ليبادر بعدها بسحب البساط من رئيس وزرائه، حول ملف خصخصة القطاع الحكومي، ثم أطلق بعد ذلك تطمينات لسكان الجنوب حول استكشاف واستغلال الغاز الصخري.

وظهر الرئيس بوتفليقة في ثوب المتعاطف والمتفاعل مع انشغالات سكان الجنوب، حول المخاطر البيئية والجيولوجية التي رفعوها منذ إبداء الحكومة رغبتها في استكشاف واستغلال الغاز الصخري لمواجهة شح الموارد المالية بعد تهاوي أسعار النفط منذ صائفة العام 2014.

وأعرب في صالون الانتقال الطاقوي (الأربعاء 17 يناير 2018)، عن عدم تسرّع الحكومة في ملف استغلال الغاز الصخري، وستعكف على دراسة خصوصيات وتقديرات الاحتياطي والتكفل بالانشغال البيئي لتبديد المخاوف المرفوعة من طرف السكان والجمعيات الناشطة في منطقة الجنوب.

وحملت رسالة بوتفليقة تطمينات غير مسبوقة من طرف مؤسسة الرئاسة للناشطين والجمعيات المحلية واحتواء حركة التململ التي تعيشها بعض المناطق الجنوبية المؤهلة لتكون عاصمة الغاز الصخري على غرار أدرار وعين صالح، حيث ينظم هؤلاء احتجاجات دورية على مخطط الحكومة.

وأدرج مراقبون للشأن السياسي في الجزائر خطوات بوتفليقة الأخيرة المناقضة لتوجهات حكوماته المتعاقبة في خانة افتعال المشاكل وإطلاق الحلول، للظهور أمام الرأي العام في ثوب الرجل المتعاطف مع انشغالات الشعب ودفاعه عن طموحاته، بغية تمرير أجندة سياسية تتمحور حول واحد من الخيارات المطروحة للاستحقاق الرئاسي المنتظر في ربيع العام القادم، وهو المرور إلى ولاية رئاسية خامسة.

واستبعد محللون سياسيون أن تكون الحكومات والوزراء الذين سحب الرئيس البساط من تحتهم أعدت برامجها ومخططاتها بعيدا عن توجيهاته أو أنها تمارس نوعا من التمرد عليه.

ووصف رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس، التطورات الأخيرة في معسكر السلطة خاصة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بـ”المناورة” التي تستهدف إيهام الرأي العام، ونفى وجود أي خلاف أو تناقض بين الرئاسة والحكومة كما يروج له، وإنما الأمر يتعلق بمسرحية لتمرير أجندة معينة.

13 حكومة منذ تولي بوتفليقة الرئاسة

وقال “ما يجري الآن هو مقدمة للكشف عن نوايا السلطة في التعاطي مع الاستحقاق الرئاسي القادم، في ظل الصعوبات التي تعتريها في إضفاء الشرعية على مرشحها، وصعوبة التوصل إلى إجماع مبكّر حوله، ولذلك تسعى من خلال مثل هذه المناورات إلى محاولة تأهيل بوتفليقة لولاية رئاسية أخرى”.

واتخذ بوتفليقة، في الأيام الماضية، عدة خطوات مثيرة للجدل تندرج في سياق احتواء التململ الداخلي، فبعد الاحتجاجات التي شهدها الشارع القبائلي منذ أسابيع حول اعتراض الأغلبية البرلمانية لمقترح تخصيص غلاف مالي لتوسيع وتعميم اللغة الأمازيغية، أقدم في قرار مفاجئ على اعتبار تاريخ 12 يناير من كل سنة عيدا وطنيا.

كما أجهض الاتفاق بين الحكومة والنقابة المركزية وأرباب العمل حول خصخصة المؤسسات الحكومية، وهو القرار الذي وصفته وكالة الأنباء الرسمية بـ”القرار السياسي”، الذي يستهدف تصويب عمل الحكومة والحفاظ على الممتلكات العمومية.

ويبدو أن حالة الاحتقان الاجتماعي التي أثارتها المخططات الحكومية هي استفزاز يمارسه النظام الرئاسي عبر أذرعه وأجهزته الرسمية، قبل أن يظهر من بعيد ويبطلها بقرارات مناقضة؛ فمنطقة القبائل التي ظلت طيلة العقود الماضية عصيّة على تطويع السلطة بسبب خصوصياتها السياسية والثقافية لم تحز على المكاسب المحققة، إلا بعد تدخل بوتفليقة في 2002 و2008 و2017، لترقية الأمازيغية من لهجة محلية إلى لغة وطنية، ثم لغة رسمية، ثم الاعتراف بعيد يناير وإطلاق أكاديمية مختصة، وهي الإجراءات التي سمحت له بالاختراق السياسي للمنطقة ولو جزئيا في الاستحقاقات الرئاسية الأخيرة.

ويستقطب النسيج الاقتصادي والصناعي وحتى الاستراتيجي قطاعا عريضا من اليد العاملة المحلية، وهو وعاء انتخابي مهمّ يريد الرئيس إقناع أصحابه بأنه “المدافع الشرس عن الممتلكات العمومية، وحاميها من الأيادي المتربصة، في صورة رموز هيئة الثلاثية (الحكومة والنقابة وأرباب العمل)، الذين اتفقوا على فتح رأس مال تلك المؤسسات أمام الاستثمارات الخاصة”.

وليس من المستبعد أن يقدم الرئيس على قرارات جديدة مناقضة لبرامج الحكومة، لا سيما فيما تعلق بـ”حظر قرابة 900 منتوج من الاستيراد”، بدعوى الحفاظ على رصيد النقد الأجنبي وتشجيع المنتوج المحلي، بعد إثارتها لجدل في الساحتين الاجتماعية والاقتصادية، وذلك في سياق استراتيجية افتعال المشاكل والانفراد بإطلاق الحلول للبقاء في السلطة.

واستهلك بوتفليقة، منذ وصوله إلى قصر المرادية في 1999، ثلاث عشرة حكومة، لم يمنح فيها فرصة الاستقالة للمعارضين أو الممتعضين من سياسته وأبقاهم في وضع احتراق لأوراقهم إلى غاية الإعلان عن إقالتهم من طرفه، كما حدث للعديد من الوزراء ورؤساء الحكومات والوزراء، خاصة بالنسبة إلى أحمد بن بيتور وعلي بن فليس وعبدالعزيز بلخادم.

وتتحدث مصادر مطلعة، عن رفض الرئيس لاستقالة رئيس الوزراء الحالي أحمد أويحيى وتأجيلها للوقت المناسب من أجل إضعافه تدريجيا إلى غاية زهده في خوض أي منافسة سياسية في الاستحقاق القادم، وهو السيناريو الذي شابه كثيرا أسلافه في رئاسة الحكومة والطامحين إلى منازعته في قصر المرادية.

7