افتقار طلاب تونس لأجهزة التعليم عن بعد يقلل من جدواه

وزير التربية التونسي فتحي الوسلاتي يقر بصعوبة تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين طلاب الأرياف والمدن.
الثلاثاء 2020/11/03
حظوظ طلاب تونس في امتلاك أجهزة التعليم عن بعد ليست متساوية

فرضت تحديات جائحة كورونا ضرورة التفكير في اتباع إجراءات اجتماعية جديدة في تونس وفي مقدمتها آليات التعليم عن بعد لكبح سرعة انتشار الفايروس في المدارس، لكن الالتزام بهذه الخطوة يبقى مبتورا في ظل افتقار أكثر من نصف التلاميذ والطلبة لأجهزة هواتف ذكية أو كمبيوترات متصلة بشبكة الإنترنت تمكنهم من متابعة الدروس عن بعد.

تونس – كشف انطلاق العمل بالإجراءات الجديدة الخاصة بتطبيق التعلّم البيداغوجي عن بعد بمؤسسات التعليم العالي عن عدم تكافؤ للفرص بين الطلبة على مستوى امتلاكهم لأجهزة الحواسيب المرتبطة بشبكة الإنترنت أو الهواتف الذكية التي تمكنهم من متابعة الدروس عن بعد مما يطرح مسألة جدواه.

وأكد رئيس ديوان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مختار المحواشي أنه سيتم تخصيص قاعة في كل مؤسسة جامعية للطلبة الذين لا تتوفر لديهم تجهيزات التعلّم عن بعد للحضور، مجهزة بحواسيب مرتبطة بشبكة الإنترنت لتلقي دروسهم تطبيقا لمبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الطلبة.

كما أكد استطلاع للرأي أنجزته وزارة التربية في تونس، أن 51 في المئة من تلاميذ التعليم الإعدادي والثانوي في المؤسسات التربوية لا يمتلكون أجهزة هواتف ذكية أو حواسيب متصلة بشبكة الإنترنت تمكنهم من متابعة الدروس عن بعد، مع تسارع وتيرة انتشار وباء كورونا الذي يفرض إجراءات تعليم استثنائية.

وقال وزير التربية فتحي السلاوتي خلال المنتدى الوطني حول الجمعيات الناشطة في إدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال في التدريس عن بعد “إن هناك نقائص خلال السنة الدراسية الحالية التي تدور في ظروف صعبة بسبب جائحة كورونا رغم اعتماد تونس لنظام التدريس الحضوري في مؤسسات التعليم يوما بيوم بسبب الوضع في البلاد، وإن الحرص على تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين كل التلاميذ في الأرياف والمدن والقرى يجعل اللجوء إلى التعلم عن بعد أمرا صعبا”.

فوزي النالوتي: التعليم عن بعد أمر صعب في ظل البنية التحتية الضعيفة
فوزي النالوتي: التعليم عن بعد أمر صعب في ظل البنية التحتية الضعيفة

كما بيّن الناشط بالمجتمع المدني فوزي النالوتي أن خيار التعليم الرقمي ليس الخيار الوحيد للتعاطي مع أزمة كورونا التي حالت دون الالتحاق المنتظم بالمدارس، والوزارة تدرس إمكانيات التعليم عبر شاشات التلفزيون خلال الأيام التي لا يذهب فيها التلاميذ للمدارس، مشددا على دور المجتمع المدني في معاضدة مجهود الوزارة لإنجاح السنة الدراسية مع تواصل جائحة كورونا، مبينا أن هذه الأزمة كشفت أن البنية التحتية للمؤسسات التربوية لا تستجيب لمثل هذه المرحلة، ومقرا بوجود تأخر كبير تعيشه تونس في مجال التعلم عن بعد مقارنة بالبلدان المجاورة.

وأشار الاستطلاع المنجز أن 93 في المئة من الآباء لا يفضلون التعليم عن بعد في ظل الجائحة الصحية وقد يرجع ذلك إلى شكوك تساورهم حول جودة الدروس المقدمة افتراضيا ومدى قدرة الأبناء على الاستفادة منها.

ويفضل 53 في المئة من الآباء المستجوبين التعليم الحضوري بالنسبة لأبنائهم في الابتدائي و48 في المئة بالنسبة لطلاب الإعدادي والثانوي خلال الظروف الاستثنائية الصحية التي تمر بها البلاد.

ويخيّر أغلب طلاب المرحلة الابتدائية (75 في المئة) الدروس في نسخة ورقية في حين يحبذ 20 في المئة فقط منهم الدروس التفاعلية عن بعد و5 في المئة يخيرون متابعة دروس مسجلة على محامل رقمية. أما بالنسبة للمرحلة الإعدادية والثانوية فإن 66 في المئة يحبذون النسخ الورقية للدروس و26 في المئة يخيرون الدروس التفاعلية عن بعد و7 في المئة الدروس المسجلة على المحامل الرقمية.

ويرى متابعون أن مسألة التعليم عن بعد من الأهداف المنشودة لضرب عصفورين بحجر واحد، أولا من ناحية كبح سرعة انتشار الفايروس بالأوساط التربوية والجامعية التي تشهد حركة مكتظة، وثانيا لتفادي سيناريو سنة دراسية بيضاء تنتهي قبل أن تبدأ فعليا.

وأكد النالوتي في تصريح لـ”العرب”، “على ضرورة توفير أعداد كبيرة من الأجهزة التكنولوجية (حواسيب وهواتف ذكية) خصوصا في الأرياف والمناطق المهمشة، فضلا عن استراتيجية ناجعة لذلك تجمع بين طرق التعليم وجودته”.

وقال النالوتي، “الأمر صعب في ظل الواقع التونسي المعيش الذي يفتقر هو الآخر لأبسط الشروط ومن بينها البنية التحتية الضعيفة والمقدرة الشرائية للمواطن الذي يتخبط في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية”.

وأشار الناشط المدني إلى “ضرورة العمل المكثف وبجدية من الهياكل المختصة للدولة والوزارات لتوفير الحد الأدنى المطلوب من الإمكانيات”.

51 المئة من طلاب التعليم الإعدادي والثانوي لا يمتلكون أجهزة هواتف ذكية أو كمبيوترات تمكنهم من متابعة الدروس عن بعد
51 المئة من طلاب التعليم الإعدادي والثانوي لا يمتلكون أجهزة هواتف ذكية أو كمبيوترات تمكنهم من متابعة الدروس عن بعد

ويبلغ عدد الطلاب في تونس أكثر من 2 مليون موزعين على أكثر من 6 آلاف مؤسسة تربوية، بالإضافة إلى أكثر من 155 ألف مدرس، فيما يبلغ عدد الطلبة الجامعيين أكثر من 216 ألف طالب وطالبة.

وتشهد تونس موجة حادة من انتشار سريع لكوفيد – 19 لم تستثن التلاميذ والطلبة، حيث تؤكد الأرقام المسجلة أن عدد الإصابات في صفوف التلاميذ والإطار التربوي مرتفعة مقارنة ببلدان أخرى مشابهة لتونس.

وتجدر الإشارة إلى أن الإصابات المؤكدة بالفايروس في المؤسسات التربوية بلغت حتى منتصف أكتوبر الحالي أكثر من 1200 حالة مع الاشتباه في إصابة أكثر من 3000 آخرين.

وأمام هذه الأرقام دعت جامعة التعليم الثانوي التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل وزارة التربية للالتزام الصارم بتطبيق البروتوكول الصحي في المدارس واتهمتها بالتنصل من مسؤولياتها والتقصير في توفير أجهزة قياس الحرارة ومواد التعقيم مطالبة بتدارك الأمر قبل حلول فصل الشتاء.

وفي السياق ذاته، أفادت ألفة بن عودة وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي خلال جلسة عامة في البرلمان، الجمعة الفارط، بأن الوزارة أعدت خطة استباقية لمواصلة الدروس عن بعد ودعت الجامعيين إلى رقمنة دروسهم استعدادا لذلك، محذرة من الآثار السلبية للانقطاع البيداغوجي على تكوين الطلبة و نفسيتهم.

حسين بوجرة: غياب تام لمبدأ تكافؤ الفرص في ما يتعلق بالإمكانيات والتجهيزات
حسين بوجرة: غياب تام لمبدأ تكافؤ الفرص في ما يتعلق بالإمكانيات والتجهيزات

وأفاد حسين بوجرة، الكاتب العام لجامعة التعليم العالي والبحث العلمي، أنه “يوجد مشكل كبير في مستوى توفير الأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية بالنسبة للطلبة لكنه يبقى أقل حدة مقارنة بالنقائص المسجلة في المؤسسات التربوية”. ورجّح بوجرة أن يتم تجاوز النقائص بنسبة 50 في المئة.

وقال في تصريح لـ”العرب”، “النسبة هامة بل أكثر بكثير من 50 في المئة وسبق وأن قلنا منذ بداية السنة الجامعية أن هناك غيابا لمبدأ تكافؤ الفرص في ما يتعلق بالإمكانيات والتجهيزات في مختلف الجامعات ومراكز البحث العلمي”.

وتابع بوجرة “النتائج ستكون متفاوتة في نهاية السنة وطلبنا من الوزارة أن توفر ما يلزم لذلك مازلنا ننتظر الإيفاء بالوعود في وقت تبدو فيه الوزارة عاجزة عن ذلك”.

وأشار إلى أنه “إلى حد الآن الوضعية تكاد تكون كارثية وإذا ما تواصل الأمر على هذا المنوال ستكون النتائج سلبية بالنسبة لكافة المؤسسات وخصوصا التربوية والجامعية”.

وفضلا عن الافتقار للأجهزة “الذكية” لمزاولة الدراسة الافتراضية، تفتقر الأوساط التربوية إلى مبدأ المساواة والتناصف وتكافؤ الفرص بين المدن والأرياف والحواضر الكبرى والمحافظات الداخلية والجنوبية.

ويجمع مختصون بيداغوجيون على وجود عدة مشاكل في مستويات التعليم بالنسبة للطلاب، علاوة عن اختلاف متوارث نتيجة “التمايز الاجتماعي” يتعلق بطرق التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة وسلاسة استخدامها.

21