اقتباسات القارئ

الاقتباس فعل ثقافي قد يكون محدودا في أثره وتأثيره، فهو تلقٍ من باث، والباث مؤلف، والمقتبِس قارئ، والمتلقي قارئ.
الخميس 2018/06/21
الاقتباس لحظة فنية تفسّر وعي القارئ المجهول

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي مرايا مباشرة لاهتمامات القرّاء على مختلف مستوياتهم الفكرية والثقافية والقرائية، ولا سيما مرآة الفيسبوك وتغريدات التويتر وكتابات الإنستغرام البرقية، وبغض النظر عن أكوام الشعر والخواطر التي تنتشر يوميا بشكل مفرط ومجاني، سنجد الكثير من الاقتباسات الدينية الموسمية التي تنتهي بانتهاء المواسم، كما نجد مثلها من الاقتباسات الأدبية والفكرية والسياسية على مدار يوميات هذه المواقع وبشكل مفرط أيضا. بحيث لا تخلو هذه المواقع من الاقتباسات وبشكل مُلِحّ أيضا بما يلفت الأنظار فعلا إلى هذه الظاهرة التي نحسبها إيجابية بشكل عام تشير إلى انتقاءات فلسفية أو فكرية أو جمالية أو سياسية، بما يديم التأمل في هذه الظاهرة والوقوف أمامها.

الاقتباسات بتقديرنا تشي بالنوع وتشير إلى وعيه وثقافته. فهي خلاصة قراءة ووعي أولي في إيجاد ترسيم الحد المعرفي ومحاولة مجاراته أو نشره أو تمثّله، ومن ثمّ استقبال ردود الأفعال عليه. والاقتباس سواء أكان جملة قصيرة أم طويلة أم فقرة كاملة هو نتاج ذوق ووعي ربما يكون محددا بلحظته أو عابرا لما هو أبعد من هذا.

فثمة مؤشرات يمكن ربطها ببعضها للخروج بحصيلة معينة من هذه الاقتباسات المتنوعة ومتعددة المصادر، فالرومانسية اقتباسات تكاد تكون متشابهة بين القديم والمعاصر يفترعها شعراء معروفون كتبوا عن العشق ونالوا حظوة جماهيرية منه، والسياسية منها أقوال متفرقة لسياسيين محترفين شهد لهم العالم بمأثورات أقوالهم، والاجتماعية مصادرها بحثية وأكاديمية على الأغلب الأعمّ، والصوفية يتلبسها الصوفيون المشهورون بأقوال الحكم، والمأثور من الأقوال الشائعة مصادرها دينية وإمامية لا خلاف عليها في أكثر الأحيان بل هي من المتداول والشائع اليومي. والعسكرية لجنرالات الحروب المعروفين ممن خاضوا المعارك والاحتلالات أو تحرير بلدانهم من الاستعمار. والثورية لثوريين عالميين وعرب لهم في أرشيف التاريخ صولات وجولات. والأدبية منها لأدباء شهيرين تعالج الكثير من فضاءات الحياة.

معطيات مثل هذه القراءات تعطينا النوع الذي يستقطِب مثل هذه الاقتباسات، فإذا كان البعض اتكاليا لا يجهد نفسه في القراءة و”ينقل” عن غيره من دون تمحيص أو وعي، فهذا هو الجهل الناقل، وهناك الآخر الذي يقرأ بدقة ويستقطع ما يجاري وعيه وذوقه وتمثله، وهذا هو الوعي الأول في تمثّل القراءة والاستقطاب الاقتباسي الذي يشيع الحكمة وجمال القول المأثور لغايات تربوية أو سياسية أو فكرية أو إعلامية تلائم حاجات اجتماعية ووطنية متعددة، وبين الاثنين؛ الناقل الجاهل والآخر الواعي؛ هناك فارق في التثقيف الذاتي والخلاصة المعرفية في توطيد فعل القراءة المستمر من عدمه والاكتفاء بما يقتبسه الآخرون من دون وعي له أو من دون تمحيص وتدقيق أيضا، لذلك نجد الكثير من الاقتباسات المنقولة من دون دراية غير صحيحة أو محوّرة أو مزوّرة أو ليست لقائلها، تتسبب في تشويش للمتلقي العام الذي يجد مثل هذه الاقتباسات غير أمينة.

الاقتباس فعل ثقافي قد يكون محدودا في أثره وتأثيره، فهو تلقٍ من باث، والباث مؤلف، والمقتبِس قارئ، والمتلقي قارئ. وهذه معادلة دائرية حساسة إلى حدّ ما، وخلاصة معرفية ترمي إلى اختصار واقعة أو وقائع في علبة سردية صغيرة تريد أن تقول من اليسير الكثير بشكلٍ مباشر غير قابل للتأويل إلا ما ندر منه. ويقينا فإنّ أقل الكلمات في الكثير من الأحيان أكثرها حكمة ومضاء ودفقا معرفيا تبتكر قارئها الفوري وقد تجعله يطيل التأمل في هذه المقولة أو الحكمة أو تلك الزاوية المعرفية التي نغفل عنها في زحمة الحياة. وبالتالي نجد أن الاقتباس لحظة فنية تفسّر وعي القارئ المجهول حينما يستقطع أقل الكلمات بغاية أن تقول الكثير لقارئ آخر قد يكون غافلا في.. معظم الأحيان.

14