اقتباسات عنصرية

الأربعاء 2014/10/29

حين كتب “نوام تشومسكي” تحليلاته الكاشفة للانحيازات الأميركية للسياسة الإسرائيلية، وبعده “نورمان فانكلشتاين” في مراجعته لأساطير “الهولوكوست”، كانا مؤثرين في السياق الثقافي الغربي وفي منظومة التعاطي الجمعي لمفكري اليمين واليسار الأوروبي والأميركي مع الصهيونية، كما كان لمقالاتهما اللامعة دور جوهري في خلخلة عقائد أقلية إسرائيلية مهمومة بالسلام، وباتت مؤلفاتهما مع آخرين عديدين ممن ينحدرون من أصول يهودية، شائعة في أدبيات الصف الإسرائيلي المناصر لمفهوم الدولة العلمانية الديمقراطية. كتب كل منهما تحليلاته ومراجعاته التاريخية والفكرية والسياسية في سياق حفل باجتهادات الآخرين غير الغربيين بشكل خالص، مثل “إدوارد سعيد” و”هشام شرابي” و”إبراهيم أبو اللغد”..، لكن أفكارهما أضحت أكثر تأثيرا في السياق الحاضن، لأنها اعتبرت داخلية وخاصة، وتجلت لدى الرأي العام الغربي كنوع من النقد الذاتي الشجاع.

وربما كان مقتل تلك الأفكار التقدمية، المناهضة للاستعمار، وذات الأصول اليهودية، أنها حضرت بكثافة في سياقات عربية قومية وعقائدية، أكثرها منتسب لفكر المقاومة الفلسطينية للمشروع الإسرائيلي الصهيوني المحتل.. لذا كان طبيعيا أن يتقلص تأثير “تشومسكي” و”فانكلشتاين” وتلامذتهما في السياق السياسي الغربي المعاصر، وتم اعتبارهما حالات شاذة.

أستحضر هذين المثالين الدالين، عزيزي القارئ، بعد أن عثرت صدفة على عمود للكاتب الإسرائيلي “شؤول منشي” بعنوان “ذوي اللسان الطويل” في الموقع الإلكتروني العربي لإذاعة صوت إسرائيل (عربيل)، ليوم 21-10 2014- يستشهد فيه بالمفكر اللبناني “فؤاد عجمي” وبـ: “أدونيس” بخصوص النزعة اللغوية للعرب التي تحوّل الهزيمة إلى نصر، بطبيعة الحال هي نقود كتبت للقارئ العربي، في سياقات خاصة، يمكن أن تكون مؤثرة في حال استثمرها كتاب عرب، لكنها تحولت في عمود الكاتب الإسرائيلي، إلى مجرد اقتباس عنصري، إذ تحضر في سياق التدليل على أن إجرام إسرائيل في غزة، أمر طبيعي وله ما يبرره لدى العربان.

كانت كل هذه الأفكار ستمرّ بسلام لولا أن صاحبنا الكاتب الإسرائيلي اللامع، اقتطع نصف عموده، من مقال لي نشرته قبل أسابيع في هذه الصحيفة، بعنوان قاعدي هو: “لسان العرب الطويل” -نُشر في 30 /07 /2014، العدد: 9633، اشتق منه صاحبنا عنوانه الفرعي (وهو: “ذوي اللسان الطويل”) ليبني عليه عموده المنتحل جملة وتفصيلا، مع توثيق ينزع مسؤولية سرقة فكرة العمود عنه، بأن وضع أزيد من نصف عموده بين مزدوجتين، محيلا على مقالي المذكور بدقة، طبعا سرقة الكلمات لا تساوي شيئا أمام سرقة الأرض والتاريخ والذاكرة.


كاتب من المغرب

15