اقتحام الممثلين لمجال التأليف الدرامي في مصر يصطدم بضعف الثقافة

كتابة غير المختصّين للسيناريو تثير مسألة الجودة في المنتج الفني.
الاثنين 2021/02/15
"الشنطة" تجربة جديدة لتامر عبدالمنعم، فهل تصادف النجاح؟

يشكو بعض المؤلفين وكتاب السيناريو المصريين من تحوّلهم إلى الطرف الأضعف في حلقة الإنتاج الفني بشقيه الدرامي والسينمائي، وذلك بعد اقتحام مجموعة من الممثلين عالم الكتابة في الآونة الأخيرة، لتظل أعمال المؤلفين المتخصّصين حبيسة الأدراج إما لغياب وسائل الاتصال مع المنتجين وإما نتيجة عدم تحمّسهم أصلا، وحين يتم إنتاجها تتعرّض لتغيير في القصة من قبل ممثلين معروفين يتعاملون معها بالقص والإضافة دون اعتداد بالبناء الدرامي الكلي.

القاهرة - أصبح التأليف وكتابة السيناريو والحوار ملاذا لبعض الممثلين المصريين الذين يوظفون علاقاتهم الوثيقة بشركات الإنتاج والمخرجين في تقديم أنفسهم كمبدعين وأدباء، وتضييق فرص الموهوبين الباحثين عن نافذة عبر بوابتيْ السينما والدراما.

وتتماشى تلك الظاهرة مع سيادة اعتقاد خاطئ يقزّم الكتابة ويحصرها في أحداث عشوائية دون وجود خط درامي متصاعد للأحداث، أو صراع مشوّق متنام، قبل أن يصل في النهاية إلى حل، مع تغافل تام عن كون التأليف عبارة عن قصة تتم روايتها  بالكلمات أولا وليس الصور.

وتعرض فضائيات مصرية حاليا مسلسل “لؤلؤ”، وهو التجربة الأولى للممثل محمد مهران في التأليف، تحت إشراف المخرج محمد سامي، الذي تحوّل في الفترة الأخيرة إلى سيناريست أيضا، وبالتزامن مع طرح فيلم “الشنطة” للفنان بيومي فؤاد الذي ألّفه زميله تامر عبدالمنعم، في وقت أعلن الممثل كريم فهمي عبر حسابه على فيسبوك شروعه في كتابة فيلم جديد، لم يتحدّد عنوانه بعد.

تأتي تلك المشروعات استكمالا لفنانين آخرين خاضوا خلال السنوات الماضية تجربة التأليف، مثل مصطفى قمر في فيلم “فين قلبي”، وباسم سمرة في “الماء والخضرة والوجه الحسن”، وعباس أبوالحسن في مسلسل “آسيا”، وجاءت كلها كتجارب ضعيفة على مستوى الحبكة، حتى لو كانت الفكرة جيدة.

رسم الشخصيات

مسلسل “لؤلؤ” اكتشف “فجأة” قدرات محمد مهران في الكتابة
مسلسل “لؤلؤ” اكتشف “فجأة” قدرات محمد مهران في الكتابة

رغم فشل تجارب الفنان تامر عبدالمنعم في التأليف، إلا أنه يجد بعلاقاته من يتحمّسون لأفكاره لأسباب غير معروفة، حتى أن أحد أبطال فيلم “المشخصاتي 2” والذي كتبه تامر، لم ينكر سعادته بسقوط العمل جماهيريا بسبب التدخّل المستمر من قبل مؤلفه في جميع عناصر العمل، بدءا من التأليف مرورا بالإخراج ونهاية بالإنتاج ذاته.

وينقسم كتاب السيناريو إلى صنفين، أحدهما محترف يجيد الحرفة بمتطلباتها، فينتج عملا متكاملا من جميع النواحي، والثاني يملك رسالة يريد توصيلها للجمهور ولا تتعدّى الكتابة بالنسبة له منبرا للتوصيل فقط، وغالبية الأعمال الأخيرة التي يقف وراءها ممثلون اقتحموا عالم التأليف عنوة تفتقر إلى العنصرين معا.

وقال الناقد الفني أحمد سعدالدين لـ”العرب”، “إن الإشكالية في كتابة الممثلين غير المتخصّصين تكمن في افتقار الرسم الجيد للشخصيات، والتحديد الدقيق للفكرة التي تذهب منهم ذهابا وإيابا طوال مدة العرض، ما يجعل المنتج النهائي ضعيفا يدور في جزر منعزلة عن بعضها”.

أحمد سعدالدين: الفنانون الذين نجحوا في التأليف ارتبطت قصصهم بأحداث عايشوها

وتكشف التصريحات الصادرة عن الممثلين الذين دخلوا عالم التأليف إشكالية تحديد الفكرة جيدا، فعند شروعهم في الكتابة يتحدّثون للإعلام عن أفكار تختلف تماما عمّا ينتجونه في النهاية، مع انجرارهم لتوليد شبكة علاقات بعيدة تماما عن السياق، بعد العجز عن توليد أحداث تتعلّق بالقصة الأصلية.

وفي مسلسل “لؤلؤ” مثلا، كانت الفكرة واضحة حول صعود فتاة فقيرة تخلّت عنها أسرتها نحو تسيّد الوسط الغنائي، لكن الشخصيات تم تقديمها منزوعة من الخلفيات التي تمكّن الجمهور من بناء حالة وجدانية مع البطلة وأعدائها، بالتعاطف أو الكره وهو عنصر أساسي في صناعة الدراما.

وما يجعل المسلسل حالة فريدة، تأكيد مؤلّفه محمد مهران أنه لم يفكّر في كتابة السيناريو، واستجاب لرغبة المخرج محمد سامي، زوج بطلة العمل مي عمر، الذي  يقول إنه اكتشف امتلاكه هذه الموهبة، لتتوه الفكرة الأصلية في المسلسل مع مرور الأحداث ويتحوّل من عمل غنائي اجتماعي إلى بوليسي يبحث عن القاتل.

وتمثل المعايشة مشكلة للكثير من الفنانين الذين يغلب عليهم الانعزال عن جمهورهم، فتقديم القصة الناجحة عن منطقة أو مهنة، يتطلّب أن يعايش الكاتب البشري بعينيه فترة زمنية كافية للإلمام بتفاصيلها وتقديمها بصورة منطقية قريبة من الواقع ترضي المتخصّص قبل المشاهد التقليدي، وليس الانتهاء من المشروع في وقت قصير.

وأضاف سعدالدين لـ”العرب”، أن الفنانين الذين نجحوا في التأليف وكتابة سيناريو ارتبطت قصصهم بأحداث عايشوها مثل حمدي الوزير في مسلسل “غريب الدار” الذي نقل خلاله وقائع حقيقية عن بورسعيد، إحدى مدن قناة السويس، ومدينته الأصلية التي نشأ فيها، لكن الأعمال التي تحتاج لمساحات واسعة من الخيال تتطلب كتابا ذوي مؤهلات خاصة.

وما يميّز الكتّاب ذوي الخلفية الروائية قدرتهم على رسم عوالم كاملة بتفاصيلها وشخصياتها والقدرة على تبرير الأحداث والوصول إلى مشاعر الجمهور والتأثير فيهم عبر خلق جو نفسي خاص كالإحساس بالجمال أو التوتر أو القلق أو الخوف، أو مزجها جميعا في بوتقة واحدة.

لا قواعد محددة

احتكار الممثلين كتابة السيناريو يقلّص فرص المؤلّفين المتخصّصين، ويجعل المنتج ضعيفا يدور في جزر منعزلة عن بعضها
احتكار الممثلين كتابة السيناريو يقلّص فرص المؤلّفين المتخصّصين، ويجعل المنتج ضعيفا يدور في جزر منعزلة عن بعضها

أكّد المؤلف وكاتب السيناريو المخضرم بشير الديك، أن الفن ليست له قواعد أو حدود، فمن حقّ الفنانين والمخرجين والمصوّرين أن يكتبوا، والفيصل هو الشكل الأخير الذي يصدر عليه العمل ومستوى الحبكة ورسم الشخصيات ومنطقية الأحداث.

ويتضمّن التأليف أسسا لا يمكن إغفالها، ومنها إعطاء الجمهور قدرا من المعلومات عبر الحوار تؤهلّهم لفهم الأحداث ومعرفة الخلفيات دون إسراف في التفاصيل، حتى لا يسود العمل لغة الخطاب المباشر فيصبح مملا، لكن ذلك لا يعني التقطير في تقديمها فيصبح المشاهد عاجزا عن فهم سلوك الممثلين وتصرّفاتهم.

وأوضح الديك، أن كاتب السيناريو لا بد أن تتوافر فيه مؤهلات، سواء أكان ممثلا أم مخرجا أم روائيا، أهمها الثقافة الواسعة في غالبية المجالات، وامتلاك رسالة يسعى إلى توصيلها، والإلمام بطبيعة الوسيلة التي سيقدّم عبرها مُنتجه، سينما أو دراما أو منصات إلكترونية فلكل منها أسلوب خاص.

وكان السيناريو حلبة لممثلين كبار، مثل محمود المليجي، الذي كتب سيناريو ستة أفلام، وأنور وجدي الذي وضع السيناريو لنحو 15 عملا، وفريد شوقي الذي فاق إنتاجه الدرامي والسينمائي على مستوى الكتابة 30 عملا، لكنهم لم يتعجّلوا التأليف، وبدؤوا بعد اختمار التجربة على المستوى العمري والفني والثقافي.

وتصعب مقارنة الوضع الحالي بالماضي، فحصة الفنانين من الكتابة في الستينات من القرن الماضي كانت قليلة، بمقارنتها بالإنتاج السنوي الضخم الذي كان يتجاوز 65 فيلما أحيانا في العام، ولم يتم التهافت على الكتّاب الكبار، مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وعبدالرحمن الشرقاوي وغيرهم.

ويمثل السيناريو لقطاع من الفنانين المعاصرين وسيلة ذكية لتجاوز أزمة منتصف العمر التي يعيشها بعض العاملين في مهنتهم، والتي لن تسمح لهم بالتواجد على مستوى البطولة أو مزاولة دور الفتى الأول، فبحثوا عن دور آخر يضمن لهم استدامة الدخل ووجدوا ضالتهم في التأليف وكتابة السيناريو الذي قد يبقيهم في الصورة.

كتابة السيناريو تمثل لبعض الفنانين وسيلة ذكية لتجاوز أزمة منتصف العمر التي يعيشونها بعد انحصار الأضواء عنهم

وتسود مخاوف من احتكار الفنانين للكتابة وتوظيفها لأغراض خاصة، واستبعاد الكتاب الذين يرفضون تدخّلاتهم، فمنح فنان صديقه مسؤولية الكتابة يضمن له توسيع مساحة الدور دون أدنى امتعاض، وربما تقليص فرص باقي المشاركين عمدا حتى لا يخطفوا الأضواء.

وقبل سنوات، تبرأ السيناريست عاطف بشاي من مسلسل “السندريلا” بعد تدخل بطلته منى زكي واستعانتها بزميلها تامر حبيب، الذي كان مصوّرا ثم شارك في أدوار قليلة كممثل، قبل أن يتحوّل إلى كاتب ومؤلف، وخرج المسلسل في النهاية ضعيفا يعاني تشرذما في جمله الحوارية.

وغالبا ما يزجّ كتاب السيناريو من الفنانين بأنفسهم إلى البطولة واقتناص الدور الأفضل، أو الشخصيات الاستثنائية المقنعة والمؤثّرة، بصرف النظر عن تماشيها مع قدراتهم التمثيلية ليجوروا أيضا على حق أصيل للمخرجين في انتقاء فريق العمل.

ويعتبر الفنان أحمد فهمي مثالا حيا على ذلك بعدما حصل على البطولة في غالبية الأعمال التي كتبها أو شارك في تأليفها، في السينما والدراما، والكثير منها لا يتعدّى اسكتشات كوميدية يتمّ لصقها معا لتستوفي الحد الزمني الأدنى المطلوب للعرض.

ويعتبر كتاب السيناريو الشباب أن عددا من شيوخ مهنتهم وراء تقليص دورهم بعدما بات الكثيرون يكتفون بتسليم أوراق العمل والحصول على عائد مالي فقط دون اهتمام بما يحدث لاحقا، ما جعل بعض الفنانين يعتقدون أن التغيرات التي يجرونها على القصص جيدة، بل ويتمادون في كتابة العمل من الأساس على مقاسهم.

ويمثل الخط الدرامي القاعدة التي يجب عدم الإخلال بها في كتابة السيناريو، فعليها ترتكز باقي عناصر الكتابة، بدءا من التعريف بالشخصيات ثم الدخول إلى صراعاتها وسلوكياتها غير المتوقعة، وصولا إلى حل العقدة في النهاية، وأي إخلال بتلك المعادلة يعرّض العمل الفني كله إلى مخاطر الرقص على أرضية غير صلبة، وقصف الجبهة من الجماهير والنقاد.

17