اقتراب بغداد من أحضان موسكو يجبر واشنطن على تحرير الرمادي

الخميس 2015/10/08

المفاجأة الكبرى التي تناقلتها وكالات الأنباء أمس عن اقتراب تحرير مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار العراقية، تعد نقلة نوعية كبيرة، وقد تكون نقطة تحول كبرى لانحسار نفوذ تنظيم “داعش” في العراق، وهو ما سينعكس بالتأكيد على نفوذ التنظيم في سوريا وجميع المنطقة.

لكن يبدو أن الخبر يحمل رائحة نتنة، تشير إلى أن الولايات المتحدة وقوات التحالف قد تكون تقاعست وربما تعمدت عدم تحرير المدينة طوال الأشهر الماضية، بل ينطبق ذلك على جهودها في محاربة التنظيم منذ منتصف العام الماضي.

يعلم الجميع أن المستشارين العسكريين الأميركيين يقودون منذ أشهر أكبر كتلة من القوات التي تحاصر مدينتيْ الرمادي والفلوجة من جميع الجهات، وهي مكونة من مقاتلي عشائر محافظة الأنبار، الذين دربهم الخبراء العسكريون الأميركيون على مدى الأشهر الماضية. بل وصل الأمر منذ أسابيع إلى الإعلان، رسميا، عن وصول شحنات كبيرة من السلاح النوعي ومئات الضباط والخبراء الأميركيين، إلى قاعدتين عسكريتين في محافظة الأنبار هما الحبانية وعين الأسد.

كما تم الكشف عن أن واشنطن أمرت القوات العسكرية الحكومية العراقية من الجيش والشرطة، وكذلك قوات الحشد الشعبي بالانسحاب من المناطق المحيطة بمدينتيْ الرمادي والفلوجة، وهي أنباء لم تنفها بغداد. لكن رغم ذلك، لم تتقدم تلك القوات التي يديرها الأميركيون لتحرير أي من المدينتين طوال الأسابيع الماضية، رغم تأكيدات بأنها تحاصرهما من جميع الجهات. فلماذا قررت الولايات المتحدة الآن، دخول الرمادي؟ ولماذا حدث الانهيار المفاجئ لتنظيم داعش في المدينة في هذا التوقيت؟

ولماذا حدث ذلك بالتزامن مع وصول المبعوث الخاص للتحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش جون آلن إلى بغداد للتباحث مع المسؤولين العراقيين بشأن جهود محاربة تنظيم داعش، بعد إعلان الحكومة العراقية استعدادها للتعاون مع روسيا لمحاربة التنظيم الإرهابي، وأنها قد تسمح لموسكو بشن ضربات جوية في العراق؟

هل اضطرت واشنطن أخيرا مجبرة على تحرير الرمادي، لاسترضاء بغداد ومنع سقوطها في أحضان موسكو؟ وهل فضح التدخل الروسي تقاعس الولايات المتحدة والتحالف الدولي في محاربة تنظيم داعش؟

أسئلة عميقة تغذي شكوك معظم العراقيين بوجود أصابع خفية تحرك المشهد الغريب والقصة المريبة لظهور داعش في المنطقة.

المحيّر أن الكثير من الخبراء المستقلين، يؤكدون أن التنظيم ليس بالقوة التي رسمتها واشنطن، وخاصة تأكيدها المريب منذ الساعات الأولى لسقوط الموصل في منتصف يونيو 2014 على أن القضاء على داعش سوف يستغرق سنوات طويلة. فعناصر التنظيم لا تتجاوز بضعة آلاف، كما أنه لا يملك طائرات أو أنظمة رادار متطورة، وهو يكاد يكون مكشوفا تماما لطيران التحالف والأقمار الصناعية، خاصة باستعراضاته العسكرية.

وقد نشرت تأكيدات كثيرة واعترافات صدر بعضها عن الجانب الأميركي عن أخطاء فادحة، وامتناع قوات التحالف أحيانا عن ضرب استعراضات مكشوفة لمقاتلي تنظيم داعش، إضافة إلى إسقاط إمدادات للتنظيم، قيل إنها أخطاء، لكنها أججت نظريات المؤامرة وحيرت جميع المراقبين وسكان المناطق التي يهيمن عليها داعش.

يبدو أن التدخل الروسي في سوريا، صعد جميع المواقف في المنطقة إلى حافة الهاوية.وقد يجد فيه كثيرون من سكان المناطق المنكوبة في العراق وسوريا عنصرا إيجابيا رغم خطورته، وإمكانية لأن يؤدي إلى إدخال المنطقة في آفاق مواجهة عسكرية عالمية كارثية. لكن كما يقول المثل «المبلل لا يخشى المطر». وألم ساعة أفضل من الألم الدائم. والتصعيد مهما كانت خطورته أفضل من الموت البطيء. لذلك يجد البعض فيه تصعيدا مفيدا لرسم نهاية للألم المستمر.

كما يبدو أن التصعيد لا يرتبط فقط بقضية نفوذ تنظيم داعش في سوريا والعراق. بل يبدو أن روسيا تهدف أيضا إلى ربطه بتحريك القضية الأوكرانية الراكدة، والعقوبات الغربية القاسية على موسكو، التي تراكم عليها الغبار بعد وضعها على الرفوف، وهي يمكن أن تستمر لسنوات طويلة بسبب صعوبة زحزحة جميع الأطراف عن مواقفها. لذلك يبدو أن موسكو تأمل من وراء التصعيد في سوريا وآفاق امتداده إلى العراق، في تعجيل وضع نهاية لجميع الملفات العالقة.

ولعل أبرز العوامل التي أدت إلى تحريك جميع الملفات الراكدة، هو موجة المهاجرين غير المسبوقة إلى أوروبا.

فالأزمة القاسية في سوريا والعراق خلال السنوات الماضية، لم تؤد إلى إجبار الأطراف الدولية على إيجاد حل عاجل وسريع للأمة، التي أدت إلى تهجير ما يصل إلى أكثر من 7 ملايين إنسان في سوريا والعراق، إضافة إلى مقتل مئات الآلاف وجرح أعداد أكبر.

أما نار أزمة اللاجئين فقد مست ثياب الدول الغربية، وأجبرتها على ضرورة إيجاد حل عاجل، لذلك تسابقت جميع الأطراف إلى انتهاز الفرصة بالتصعيد على حافة الهاوية، لأنها الوسيلة الوحيدة لوضع نهاية للأزمات المتشابكة، التي مسّت أخيرا جميع الأطراف.

لا أميل كثيرا إلى نظريات المؤامرة، ولا أريد التعبير عن موقف صريح من التصعيد الروسي والتحرك الأميركي الأخير في محافظة الأنبار، لأنها غير بريئة وتغذيها شبكة واسعة من المصالح المتقاطعة التي يصعب إيجاد محصلة نهائية لها أو تفسير بسيط لها.

لكنني أتفهم موقف جميع من هم في نار الأزمة في العراق وسوريا، الذين ربما يرحبون بالتصعيد على أمل الوصول إلى نهاية ما، مهما كان شكلها بدل الألم الطويل الذي قد يمتد لسنوات.

كاتب عراقي

9