اقتسام إرث صدام

الجمعة 2016/06/10

مثلما فعل الحلفاء بتركة الإمبراطورية العثمانية، حين أجهزوا عليها، وتقاسموا ما تركت، فعلها من ورثوا بلاد الرافدين، بعد أن اجتاحتها دبابات الحلفاء الذين يقودهم جورج بوش الابن الحالم بشرق أوسط جديد، سيبنى على ركام دكتاتوريات شمولية، وأخرى أصولية غنية بالموارد الطبيعية الهائلة.

لم يحدث هذا بالتأكيد، لكن الذي جرى بعد ذلك، أن بقايا العراق، صارت ملكا تائها، لا أحد يعرف صاحبها، ولا أحد يجرؤ على تحديد وريثها الشرعي، في ظل تخلي الشعب عن الوطن وانشغالات الجماعات فيه بنفسها. فشيعة محملون بأيديولوجيا المظلوميات التاريخية، وأكراد نفخت فيهم عنصرية الأنظمة كل عقد الإقصاء والشوفينية فتحول الضحية إلى جلاد فاق جلاده السابق بشاعة وسوءا، أما سنة العراق، فأولئك هم المتسبب الأكبر في ضياع العراق الحاضر والعراق الماضي، بتشددهم تارة وبتشرذمهم تارة أخرى.

ما حدث لم يكن بدعا أبدا فالتاريخ يعلمنا، والمنطق يؤكد أن العالم لا يحتمل الفراغ. فمثل العراق وموقعه وثقله وتاريخه وعمقه، لن يترك أبدا، بل سيكون محطة التنافس الأبرز لرسم ملامح جديدة لمنطقة أصبحت تتفكك ويذوب فيها القار والظاهر معا من جبل الجليد المتراكم.

ما بقي من إرث الدكتاتورية كان كبيرا للغاية، ولما لم تكن أميركا ترغب في إبقاء كل التركة في خزائنها، فإنها بحثت عن شريك مناسب لها، قادر على دفع فواتيره لوحده، ومنغرس بشكل جيد في بيئة الفراغ المتأتية من تلك الإزاحة القسرية التي حدثت. فكانت إيران خير من قدم أوراق اعتماده، كشريك قوي وفاعل وممتد، فيما كانت الأنظمة العربية المحيطة بالعراق لا تزال تعيش مراحل ما قبل التفكير السياسي الحديث في الرهانات الطائفية مرة، وفي الخوف من إزعاج أميركي مرة أخرى، وتعيش حالة الانكفـاء إلى الداخل، أو السلبية المفرطة تجاه الوضع بعد إسقاط صدام حسين ونظامه.

ما يعاب على الأنظمة السياسية العربية كثير، لكن ما يتصدر ذلك هو حالة اللاواقعية السياسية التي تتحكم في رسم استراتيجيات تلك البلدان، وحالة ردات الفعل، والعقد التاريخية من الآخر، الأمر الذي عنى في ما عناه، دفع العراق بقوة للعزلة عن المحيط العربي وإبقاءه يتحمل دفع فواتيره الباهظة من سيادته وأمنه، في ظل ارتباط الجماعات المتصدية بمشاريع ما بعد الحدود، أو حملها لبذرة ستنتج نظاما غير قابل للحياة مع فكرة إبقاء العراق دولة قوية موحدة مستقرة.

ما وصل إليه العراق الآن لم يكن إلا نتاج ما أسميه بمؤامرة التوريط العربي مرة، واللامبالاة العربية مرة أخرى. فهذا المحيط لم يكن منسجما مع العراق، ولا يتعامل معه كما يتعامل مع بلدان عربية أخرى كمصر مثلا، بل كان محيطنا العربي ينظر للعراق من منطلق الخصم لا الند على الأقل، ويتعامل معه وفق معادلة ضمان الاستقرار تتمثل في إضعافه، ولذا فإن أزمات المنطقة كلها تأتي جراء الوصول بالعراق إلى مرحلة الوهن التي صار فيها إرثا يتقاسمه الجميع على رؤوس الأشهاد، دون أن يكون للعرب كالعادة دور سوى الوقوف كشهود زور، وتمثيل دور المتعاطف مع بلد ساهمت الكثير من المديّ العربية في تقطيع أوصاله بلا أي تفكير في العواقب الكارثية على المنطقة، بل وعلى العالم بأسره.

كاتب عراقي

9