اقتصاديات الجريمة المنظمة على الحدود المصرية الإسرائيلية

الثلاثاء 2014/08/12
الحدود المصرية الإسرائيلية يمكن اعتبارها الخاصرة الرخوة للأمن القومي المصري

القاهرة - أدى تشديد الإجراءات الأمنية المصرية على الحدود مع القطاع إلى محاولة خلق مسارات بديلة للتهريب والتجارة غير المشروعة في وسط سيناء عبر الحدود المصرية الإسرائيلية مباشرة.

يحلّل الباحث محمد عبدالله يونس، في تقرير صدر عن المركز الإقليمي للدراسات بالقاهرة، المخاطر المحدقة بشبه جزيرة سيناء من منظور مختلف عن كثير من الدراسات التي تحذّر من تحول سيناء إلى “سينستان”، في ظل تنامي ظاهرة الإرهاب وتواجد جماعات جهادية بالمنطقة.

الزاوية التي تناولها عبدالله يونس، تهتم بـ”اقتصاديات الجريمة المنظمة على الحدود المصرية-الإسرائيلية”؛ حيث يشير الباحث إلى أن الحدود المصرية الإسرائيلية يمكن اعتبارها الخاصرة الرخوة للأمن القومي المصري بالنظر إلى تعدد التهديدات الأمنية النابعة منها وتنوعها.

يوضّح عبدالله يونس في فصل حمل عنوان “أنماط اقتصاد الحدود بين مصر وإسرائيل” أن اقتصاديات الحدود بين مصر وإسرائيل تشمل عدة أنماط تجارية غير مشروعة، يقع الاتجار بالبشر على رأسها، يليها الاتجار بالمخدرات والآثار.

* الاتجار بالبشر: لا توجد إحصائيات موثقة لحجم تجارة البشر بين مصر وإسرائيل، بيد أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قدرت تلك الأنشطة خلال الفترة من يناير 2006 وديسمبر 2012 بحوالي 35 ألفا من الأفارقة رغم وجود السياج الحدودي بين مصر وإسرائيل الذي يمتد بطول 240 كم، وارتفاع 5 أمتار.

يبدأ مسار الاتجار بالأفارقة من دارفور في غرب السودان أو مخيمات اللاجئين الإريتريين شرق السودان، حيث تقوم جماعات مختصة في تهريب البشر في السودان بتجميع الأفارقة من الراغبين في دخول إسرائيل أو الذين يتم اختطافهم من المخيمات ثم تهريبهم.

ويستشهد الباحث في هذا السياق بتصنيفات التقارير الدولية الصادرة عن منظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان والخارجية الأميركية لعام 2013 التي جعلت مصر كدولة معبر للاتجار بالبشر لإسرائيل التي تعتبر الوجهة الرئيسية للأفارقة الذين يتم تهريبهم، حيث يعملون في الجيش الإسرائيلي أو كعمال نظافة أو في بناء المستوطنات أو في الأنشطة غير المشروعة كالبغاء.

* التجارة بالأعضاء: يشير تقرير منظمة التحالف الدولي لمكافحة تجارة الأعضاء COFS الصادر في أبريل 2012 إلى أن مصر تحتل المركز الثالث عالميّا في تجارة الأعضاء غير المشروعة، ووصفت بـ “برازيل الشرق الأوسط”؛ حيث ذكر التقرير وجود 5 آلاف حالة تجارة أعضاء سنويّا.

* تهريب المخدرات: تقرير الخارجية الأميركية عن الاتجار بالمخدرات عالميّا رصد صعودا نوعيّا في تهريب المخدرات عبر الحدود المصرية الإسرائيلية. ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة في 2013، تحولت إسرائيل إلى نقطة ارتكاز إقليمية لتجارة المخدرات.

*تهريب الآثار: قيام القوات المسلحة المصرية في نوفمبر 2013 بإحباط عمليات تهريب آثار فرعونية ورومانية لإسرائيل في قرية رابعة التابعة لبئر العبد غرب العريش كشف عن وجود تلك الأنشطة.

* تهريب الأسلحة: لا يعتبر تهريب الأسلحة بين مصر وإسرائيل من الأنشطة المتعارف عليها لاقتصاديات الحدود بين الدولتين، إلا أن تشديد الإجراءات الأمنية المصرية على الأنفاق الحدودية بين مصر وقطاع غزة قد يدفع إلى تغيير مسارات التهريب، ولعل اعتراض سفينة الأسلحة الإيرانية من جانب البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر قبالة السواحل السودانية في مطلع مارس 2014 يكشف احتمالية هذا السيناريو، حيث ضمت شحنة الأسلحة 40 صاروخا من طراز M-302 يصل مداها إلى حوالي 160 كم و181 قذيفة مورتر و400 ألف طلقة.

أنشطة الاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء وتهريب المخدرات هي أكثر أنماط اقتصاديات الحدود بين مصر وإسرائيل انتشارا وخطورة نتيجة الفراغ الأمني


أسباب انتشار اقتصاد الحدود


في الفصل الثاني من الدراسة يبحث عبدالله يونس في أسباب انتشار الأنشطة الاقتصادية غير القانونية على الحدود المصرية الإسرائيلية، مرجعا ذلك إلى:

*جغرافيا الحدود: امتداد تلك الحدود بطول يبلغ حوالي 277 كم من طابا حتى العقبة، وضعف التواجد العسكري بها وفق مقتضيات اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في المنطقة “ج” جعلها مساحة فراغ جغرافية مهيأة بحكم الطبيعة الجبلية الصحراوية لانتشار عصابات التهريب والجماعات المتطرفة.

*الخصائص المجتمعية: تفتقد الحدود المصرية الإسرائيلية لتكتلات بشرية تكفل رصد الأنشطة الحدودية، وتسيطر القبائل البدوية في سيناء على امتداد الحدود، وبالنظر إلى تاريخ العلاقة المأزومة بين الدولة وتلك القبائل وغياب سلطة الدولة أو المشروعات التنموية، فإن بعض المنتمين لتلك القبائل يكوّنون عصابات للتهريب. وعادة ما تنشأ تحالفات مرنة بين عصابات زراعة المخدرات وتهريبها والمنتمين للتيارات التكفيرية لتوفير الحماية والتصدي للسلطات الأمنية المصرية.

* الفراغ الأمني: أدى التكثيف الأمني والعسكري على الحدود المصرية الإسرائيلية إلى تأسيس نطاقات نفوذ وشبكات مصالح محلية داعمة لاستمرار اقتصادات الحدود الإجرامية بحيث لم ينجح الانتشار العسكري والأمني المتصاعد منذ يوليو 2013 في إنهائها بسبب تجذرها في الهياكل المجتمعية وتكوينها لوكلاء محليين وعناصر مستفيدة من استمرار السيولة الأمنية على الحدود، ويرتبط ذلك بتداعيات ثورة 25 يناير على الأوضاع الأمنية في شبه جزيرة سيناء، والاستهداف المتتالي للقوات المسلحة والشرطة المصرية.

* اختلال التنمية: يرجع استشراء أنماط الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة على طول الحدود المصرية الإسرائيلية لغياب مشروعات تنموية كبرى في المنطقة الحدودية، بما يجعلها منطقة فراغ اقتصادي ملائمة لانتشار أنماط الاقتصاد الموازي المختلفة، فضلا عن أزمات التهميش والاستبعاد التنموي، وتأثيرها على روابط الولاء والمواطنة.

يؤدي الترابط الوثيق بين أنشطة التهريب العابرة للحدود وتمويل العمليات الإرهابية في سيناء إلى جعل التهديدات الأمنية أكثر استدامة

*محفزات الاستقبال: ينبع نشاط اقتصاديات التهريب عبر الحدود المصرية الإسرائيلية من وجود سياق مهيِّئ في إسرائيل لاستقبال نواتج التهريب خاصة الاتجار بالبشر، فالأفارقة الذين يتم تهريبهم يتم توظيفهم برواتب محدودة في الوظائف الدنيا التي لا يُقبل عليها الإسرائيليون، أو العمل في كتائب الجيش على خطوط المواجهة الأكثر احتداما يُضاف إلى ذلك رواج أنشطة تجارة الأعضاء في إسرائيل التي تُعد أحد أهم المراكز الدولية لاستبدال الأعضاء.


تمويل الإرهاب


يشير عبد الله يونس في بحثه إلى الترابط الوثيق بين أنشطة التهريب العابرة للحدود وتمويل العمليات الإرهابية في سيناء ودعمها، وكيف يجعل هذا الاقتصاد غير القانوني التهديدات الأمنية أكثر استدامة واستعصاء على الاحتواء الأمني، لا سيما في ظل استناد الخلايا الإرهابية إلى دعم القبائل الأكثر إفادة في أنشطة التهريب العابرة للحدود، فضلا عن تكوين مراكز قوى قبلية تستعصي على سيطرة الدولة، وقدرتها على الإخضاع، مع مراكمتها للمكاسب الاقتصادية والقدرات العسكرية، بما يحوّل سيناء إلى منطقة قرصنة لا تخضع لسلطة الدولة. كما يؤدي انتشار اقتصاديات الحدود في سيناء إلى فصل الإقليم عن البنية الاقتصادية المصرية وتحقيق قطاعات واسعة من السكان للكفاية الذاتية من عوائد الأنشطة الإجرامية، بما قد يمهد مستقبلا لتوجهات انفصالية إقليمية.

تغلب على سياسات المواجهة لاقتصاديات الحدود في مصر وإسرائيل الطابع الأمني حيث قامت إسرائيل بنشر الشرطة الإسرائيلية في نوفمبر 2013 وحدة خاصة بمكافحة المخدرات على الحدود المصرية الإسرائيلية أطلقت عليها اسم مجن أو "وحدة استعلامات حدود النقب" قامت بحوالي 80 بالمئة من عمليات ضبط وإحباط محاولات تهريب مادة الحشيش التي سجلت العام الماضي في أنحاء إسرائيل. وتم تشييد السياج الحدودي على الحدود المصرية بطول 240 كم مزودًا بكاميرات للمراقبة ومجسات للاستشعار ووحدات عسكرية لمواجهة محاولات اختراق الحدود.

بينما قامت مصر بنشر حوالي 10 كتائب عسكرية في سيناء منذ يوليو 2013، وقامت بتأسيس مواقع وتحصينات وأبراج للمراقبة في المواقع العسكرية في مارس 2014 بالتنسيق مع إسرائيل على طول الحدود في المنطقة ج في إطار عمليات التصدي للتهديدات الإرهابية عقب تفجيرات أتوبيس رفح السياحي في 16 فبراير 2014.

وتظل أنشطة المؤسسات الحقوقية المصرية الأكثر ظهورًا فيما يتعلق بعمليات الاتجار بالبشر خاصةً التواصل مع بعض القيادات القبلية المحلية والقيادات الدينية لإيواء ضحايا الاتجار الهاربين من العصابات، وتقديم المساعدة القانونية للمحتجزين لدى السلطات الأمنية بتهمة الهجرة غير الشرعية، وفق ما رصدته تقاريرُ منظمات دولية.

إجمالا، يخلص البحث إلى أنه يُمكن استنتاج أن أنشطة الاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء وتهريب المخدرات هي أكثر أنماط اقتصاديات الحدود بين مصر وإسرائيل انتشارا وخطورة نتيجة الفراغ الأمني وبنية المجتمع واختلال علاقته بالدولة في النطاق الحدودي الفاصل بين مصر وإسرائيل، وفي هذا الصدد لا يمكن اعتبار الآليات الأمنية والعسكرية منفردة سياسات ناجحة في مواجهة اقتصاديات الحدود المصرية الإسرائيلية، حيث إن مواجهة تلك الاقتصاديات يتطلب تأسيس اقتصاد رسمي قوي متنوع ومربح في شمال سيناء ووسطها، مما يعزز دمج القبائل السيناوية في بنية المجتمع المصري، ويعزز روابط المواطنة والولاء، بالتوازي مع الاستعانة بالقيادات القبلية والدينية ذات القبول واسع النطاق في المجتمع لمواجهة أنشطة العصابات تكرارا لتجارب ناجحة في فترات سابقة للملاحقة المجتمعية لعصابات التهريب في سيناء قبل الثورة المصرية.

7