اقتصاديات المغرب العربي ومعوقات التكامل الإقليمي

الخميس 2016/08/04

في سياق التطور الذي يعرفه الاقتصاد العالمي والتغيرات الجيوسياسية الجارية في العالـم الجديـد، لم يعـد بالإمكـان الحديث عن الوزن والمكانة الاقتصادية لأي بلـد أو نظـام إقليمـي، إلا إذا خضع اقتصـاده وقـدراتـه الفعليـة في إنتـاج السلـع والخدمات والمعارف للتمحيص والتقييم.

من هذا المنظور يعدّ المغرب العربي من المناطق الأقل اندماجا اقتصاديا على مستوى العالم، فالمبادلات الاقتصادية بين دوله الخمس تعاني من ركود منذ عقود، وتنحصر في 3 بالمئة على أقصى تقدير. وتشير التقديرات إلى أن عدم الاندماج بين بلدانه، يكلفه نموا اقتصاديا يصل إلى 2 بالمئة.

وتركز أهم النقاشات الدائرة حول مسار اقتصاديات المغرب العربي في أفق 2020-2030، على أهمية التكامل الإقليمي باعتباره عملية مهمة تساعد على حل العديد من المشاكل، كالبطالة والتفاوت الاجتماعي والمناطقي، والتي تؤدي إلى تنامي التطرف وتهديد الاستقرار.

وتشير أغلب التقديرات إلى ضرورة تحقيق نمو يصل إلى 7 بالمئة في أفق 2020، وخلق مليون منصب شغل سنويا، مما يفرض تجميع كل الشروط المحفزة لكي تتمكن دول اتحاد المغرب العربي من تحقيق هذه النسبة، بينما حصيلة الإنجازات تبقى أقل من معدل الدول ذات الدخل المتوسط التي تشترك معها في الكثير من الخصائص.

يعرف الاقتصاد المغاربي بأنه اقتصاد متواضع، ففي عام 2014، لم يتجاوز ناتجه المحلـي الإجمـالي الخـام 450 مليـار دولار، أي ما يعـادل 0.54 بالمئـة من الناتج الإجمالي العالمي، وإذا تم تعديل قراءة القـدرة الشـرائية بالـدولار، فسنجـد أنه يصل إلى 1054 مليار دولار، أي 0.96 بالمئة من الناتج الإجمـالي العـالمـي، في وقـت وصل فيـه عدد سكانه إلى 94 مليون نسمة.

ومن المرجح أن يصل عدد السكان بحسب تقديرات الأمم المتحدة إلى 130 مليونا في عام 2050 وهو ما يطرح السؤال حول طبيعة ثروة الأفراد والمجتمعات والمؤسسات في المستقبل.

ورغم أن الثروات الطبيعية الكبيرة التي تملكها المنطقة، فإن متوسط دخل الفرد فيها لا يزال منخفضا، إلى جانب معظم مؤشرات التطور الإنساني الأخرى. ولا يتجاوز معدل النمو الاقتصادي في معظم بلدانها نسبة 3 بالمئة سنويا.

ويظل المغرب في الوقت الحالي من البلدان التي حافظت على تحكم جيد في العجز الداخلي والخارجي بفضل تدبير ماكرو اقتصادي سليم منذ عام 2013، رغم تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية. وذلك بفضل سياسة نقدية حكيمة تضمن الإبقاء على تضخم تحت نسبة 2 بالمئة.

كما أن المغرب يتمتع باستقرار أسعار عملته، الذي لم يعق نمو الصـادرات وتمويل الواردات، حيث قلص عجز الموازنة من 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2012 إلـى 6.8 بالمئة في عـام 2014، فيمـا أبقى احتياطاته المالية من النقد الأجنبي عند مستويات مريحة لتمويل الواردات.

ويسعى المغـرب حاليـا إلى تقليص عجز الموازنة إلى 3 بالمئة خلال العام الحالي، فيما أصبح فيه قطاعه المصرفي من أقوى القطاعات المتطورة في القارة بعد جنوب أفريقيا، وهو يتمتع بمتانة رأس المال ويحافظ على الربحية بفضل تحسين التشريعات القانونية ونشاط المصارف الواسع في بلدان أفريقيا. أما من ناحية مكافحة الفقر، فقد تقلصت نسبته في المغرب من 15.3 بالمئة إلى 9 بالمئة من مجموع السكان، لكن الفقر ما زال منتشرا في المناطق القروية حيث يصل إلى نسبة 14.4 بالمئة عما هو عليه في الحواضر، حيث لا تتجاوز نسبة 4.8 بالمئة.

وإذا كانت تونس في الماضي قد حققت نسبة نمو عالية بلغت 5 بالمئة، فإنها في ظل تداعيات الربيع العربي فيها، والحرب الأهلية في ليبيا، وأزمة منطقة اليورو وتراجع الاستثمارات، لم تتجاوز نسبة 2.6 بالمئة في عام 2014، بينما لم تتجاوز التقديرات الإيجابية نسبة 2 بالمئة في عام 2015 وبلغت نسبة التضخم 6 بالمئة.

وتتعرض الجزائر، أكبر دول المغرب العربي من حيث المساحة وعدد السكان، لجملة تحديات اقتصادية معقدة، في أعقاب تراجع إيراداتها المالية بسبب تراجع أسعار النفط والغاز العالمية.

وينذر انخفاض عوائد النفط بتهديد التوازنات الماكرو اقتصادية حاليا، ويؤدي إلى تراجع قدرتها على امتصاص الصدمات الخارجية. ويعتبر الاقتصاد الجزائري الأقل تنوعا بين بلدان المغرب العربي، ويواجه معضلة استشراء الفساد والبيروقراطية واتساع الاقتصاد الموازي.

أما الاقتصـاد الموريتـاني الصغير نسبيا، فإن من مميزاته أنه يعتمد على قطاعي المناجم والمحروقات، حيث يساهم قطاع المناجم بنسبة 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن انخفاض أسعار المعادن وتراجع الطلب الخارجي والأزمة السياسية الداخلية كانت لها آثار سلبية، جعلته أكثر هشاشة أمام التقلبات الاقتصادية العالمية.

وقد أدى ذلك إلى تراجع صادرات وعوائد المناجم وقطاع السياحة. كما أن الاقتصاد الموازي غير المهيكل لا يزال يمثل معظم الاقتصاد الموريتاني، وهو يشغل نسبة 96 بالمئة من الأيدي العاملة النشيطة في القطاع الخاص غير الزراعي.

وبصفة عامة، يخضع الاقتصاد الليبي لتبعية مطلقة إلى قطاع المحروقات حيث كان يصدر قبل ثورة عام 2011 نحو 1.5 مليون برميـل من النفـط يوميا.

وكانت ليبيا تعد من أغنى بلدان المغرب العربي في الدخل الفردي (11230 يورو في عام 2012).

وتشكل العائدات البترولية نحو 95 بالمئة من صادرات ليبيا، وتمثل 60 بالمئة من إيرادات الموازنة ونحو 70 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن الاقتصاد الليبي أصيب بزلزال كبير بعد الثورة، وهو يحاول حاليا اجتياز الفوضى ويمر بمرحلة انتقالية صعبة.

على مستوى الإنتاج العلمي في المغرب العربي فـإن المنطقة لا تزال في مراتب متدنية في التقديرات العالمية، ولم تتجاوز حصة منتجات التكنولوجيا العالية من صادرات المغرب في عام 2012 نسبة 6.4 بالمئة وفي تونس 5.6 بالمئة ولدى الجزائر 0.1 بالمئة، بينما يصل المعدل العالمي إلى 17.6 بالمئة، رغم أنها ارتفعت كثيرا في المغرب في السنوات الأخيرة.

ويفسر ذلك بقاء اقتصاد المنطقة برمتها خارج التطورات العلمية والتقنية الكبرى التي أدت إلى التحولات الجوهرية في الاقتصاد العالمي، وهو ما تؤكده مديرة الصنـدوق الـدولي، كريستـين لاغـارد، بالقـول “إن النموذج الاقتصادي القديم لم يعد كافيا لمـواجهة التحديـات الجديدة وخلق بيئة مناسبة قائمة على العدالة والشفافية”.

ويمكن القول إن بلدان المغرب العربي، باستثناء المغرب، لن تكون قادرة على مواجهـة التحديات إلا بتـوليد القـوة اللازمـة لابتكار الاستراتيجيات الكفيلة بنهضتها العلميـة والاقتصـادية والاجتمـاعية، وهـو ما يبدأ من تكاملها الاقتصادي الإقليمي.

باحث في جامعة السوربون

11