اقتصاد إبداعي عربي فاعل.. ذراع تنموي معطلة لغياب الاستراتيجيات

لا تكاد الصناعات الثقافية في البلدان العربية تحظى باهتمام يذكر في ظل مركزها الضعيف في الاقتصاد القومي وعائداتها الضئيلة، رغم العناية الكبيرة التي أضحت تحظى بها على المستوى العالمي والتي بوّأتها لتصبح قاطرة لتحقيق التنمية المستدامة في العديد من البلدان النامية والمتقدمة على حد سواء. أهميّة كبرى تستوجب عناية أكبر بهذا القطاع عربيا من خلال صياغة استراتيجيات وسياسات جدية تحمل على عاتقها مهمة النهوض به، وفق دراسة للباحث صبري سعيد، صادرة عن المركز العربي للبحوث والدراسات.
الأربعاء 2015/05/13
الحفاظ على هويات متعددة الروافد يسهم في تحصين الأمن الثقافي للدول النامية

بيروت – مازالت الصناعات الثقافية لا تشكل قيمة تذكر في الدخل القومي العربي نتيجة عدم الوعي بأهميتها رغم الطاقات الإبداعية الكبيرة التي يمتلكها العرب، وفق “التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية” الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي” في بيروت. قُصور عربي يقابله اهتمام عالمي بهذا المجال، خاصّة أنّ الصناعات الثقافية أضحت تشكّل ما بين 5.5 بالمئة وحتى 10 بالمئة من قيمة المنتجات في العالم.

وعلى الرغم من الطاقات الإبداعية الكبيرة التي يمتلكها العرب، بالإضافة إلى توفّر الأرضية اللازمة التي تؤهلهم ليكونوا في مقدمة ركب دول الاقتصاد الإبداعي المزدهر في العالم، إلاّ أنّ المعضلة تكمن في أنّه لا توجد سياسات ثقافية عربية جديّة ممهّدة لإنشاء اقتصاد إبداعي عربي فاعل وممنهج، من شأنه أن يسعى إلى تكامل حقيقي بين الطاقات البشرية الإبداعية في مختلف أقطار الوطن العربي الكبير.

أولويات ملحة

لطالما اعتبرت الثقافة الحركة الحيوية للحياة، وهي تستند إلى موروثات اجتماعية وتاريخية تسهم في تكوين جماعات البشر وإنتاج ثقافتهم وإعادة إنتاجها في حيز قومي معلوم: لغة واقتصادا وجغرافيا وموقعا وأرضا وأنماط سلوك ومواصفات متوازنة. وبالاستناد إلى هذا المفهوم، فإن إعادة إنتاج الثقافة بل ورؤية الإرث الثقافي، هي ابنة الحاضر. ولهذا فإن عملية إعادة الإنتاج من وجهة نظر تاريخ الثقافة هي عملية متصلة لا تنقطع بغض النظر عن الزاوية التي يُقاس منها مدى تطور الثقافة في لحظة ما من لحظات الزمن.

ويتبين من ذلك أهمية العامل الثقافي في التحولات العاصفة الجارية سواء على مستوى العالم أو على مستوى الإقليم، فالانفجار المعرفي المستمر منذ عقود عدة والثورات التقنية في وسائل الاتصال والتأثير والتمركز الحاد للإنتلجنسيا الثقافية في عدد محدد من البلدان، هي عوامل أسهمت في بلورة ما يسمى الثقافة العالمية القادرة على الاختراق والتأثير في أيّ رقعة من العالم.

ونظرا إلى هذا القدر من الأهمية، من الضروري أن تتحدد جملة من المبادئ للسياسة الثقافية العربية، بغض النظر عن الاشتباكات الدائرة في الساحة السياسية، من خلال تحديد سياسة ثقافية وفق جملة من المبادئ، أساسها:

السياسة الثقافية العربية الشاملة يجب أن تكون قائمة على الاستقلال الثقافي وإزالة كل الأسس الخاطئة

* أنّ الثقافة تساوي بين المواطنين وتقوم على عدم التمييز مع شمولية رسالتها وعالميتها ودعوتها للمواطنين من أجل التعاون والتعاضد العام.

* الحفاظ على الهويات الثقافية متعدّدة الروافد.

* أن يكون اعتماد الثقافة أساسا في خطط التنمية بكل معانيها لا سيما أنها تؤثر فيها سلبا وإيجابا.

* ترسيخ ديمقراطية الثقافة؛ أي أن يكون لكل مواطن الحق في المشاركة بحرية في العمل الثقافي إنتاجا أو استهلاكا دون أي معوقات أو ممنوعات طالما تتسق مع المبادئ الدستورية العامة.

* التأسيس لثورة ثقافية “معرفية” مع إزاحة القوى الماضوية الظلامية وأفكارها.

ووفق هذه المبادئ تنبثق أهداف السياسة الثقافية العربية الشاملة، التي يجب أن تكون قائمة على الاستقلال الثقافي وإزالة كل المظاهر المنحطة والأسس الخاطئة للثقافات الماضوية الظلامية وتطهير البنيان الثقافي من الدخلاء، بالإضافة إلى العمل على تحقيق الثورة الثقافية بحق واستمرار الحركة الثقافية من أجل الوصول بالمعرفة النقدية إلى أبعد مدى. كذلك يجب أن يتمّ توحيد الأساليب والأفكار والتنسيق الثقافي بين مختلف أجهزة الوزارات وبين جميع أجهزة الدولة المعنية وتعزيز شؤون التخطيط والإشراف والتقييم الثقافي الدائم. من ثمّة يجب اتخاذ التدابير اللازمة للتنسيق مع الجهات المختلفة لوضع الخطط والبرامج الاقتصادية والاجتماعية غير الثقافية ذات المردودات الثقافية بما يتفق مع المبادئ العامة للسياسة الثقافية، في سياق التفاعل والتنسيق والدعم مع المجتمعات الثقافية المستقلة النشطة لزيادة وجودها وتأثيرها الفعال المؤثر في الأوساط الثقافية سواء في الداخل والخارج. هذا بالإضافة إلى دعم التشاور والمشاركة بين كل القوى الاجتماعية والسياسية في وضع السياسة الثقافية وتنفيذها.

ذراع معطلة

تعدّ الصناعات الثقافية هي تلك التي تُنتِج وتوزع النتاج والخدمات الثقافية، أي “التي يتبيَّن، لدى النظر في صفتها أو أوجه استعمالها أو غايتها المحددة، أنها تجسد أو تنقل أشكالا للتعبير الثقافي بصرف النظر عن قيمتها التجارية”، حسب نص تعريفها في اتفاقية حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي التي اعتمدتها اليونسكو في خريف عام 2005.

ويدخل في الصناعات الثقافية ما يلي؛ النشر المطبعي والموسيقي، الإنتاج السينمائي والسمعي البصري والمتعدد الوسائط. ويُدرج في عداد هذه الصناعات الحرف اليدوية والتصميم، فهما مجالان للنشاط ليسا من الصناعات الثقافية بالمعنى الدقيق، لكن لهما أوجه شبه بها قوية، من حيث الإدارة مثلا، إذ أنها تؤدي إلى نشوء شركات صغيرة ومتوسطة. وقد توسع المفهوم ليشمل صناعات “الإبداع″ التي تضم الهندسة المعمارية وشتى الفنون: من فنون تشكيلية وفنون استعراضية وما إلى غير ذلك.

7 بالمئة نسبة الصناعات الثقافية من إجمالي الناتج العالمي

وتمثل هذه الصناعات حتّى اليوم، وفي شكل مطّرد مستقبلا، أحد قطاعات الاقتصاد والتجارة الأقوى نشاطا في العالم، وتفتح أمام البلدان النامية آفاقا تجارية جديدة. فعلى المستوى العالمي، تمثل هذه الصناعات حاليا أكثر من 7 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي، ويُتوقَّع لها حسب تقديرات حديثة صادرة عن اليونسكو أن ترتفع هذه النسبة إلى 10 بالمئة في السنوات المقبلة.

لكنّ المفارقة هنا تكمن في أنّ وجود الموارد الثقافية ذات الطابع الإبداعي بوفرة في جميع البلدان النامية، لا يحول دون وجود فجوة كبيرة تُبرِزها الخريطة العالمية للصناعات الثقافية بين الشمال والجنوب. ولذلك فمن الجوهري فهم أسباب وجود تلك الفجوة أولا، والتي تعتبر بنيويّة في معظمها، والسعي إلى علاجها ثانيا.

ولا بد لمواجهة هذا الوضع من تعزيز القدرات المحلية وتيسير الوصول إلى الأسواق العالمية على المستوى الوطني من خلال إقامة شراكات الجديدة، وتجديد المهارات الفنية، وضبط القرصنة، وزيادة التضامن الدولي بكل أشكاله.

ويعود عدم امتلاك القطاع الثقافي العربي لذراع اقتصادية كما هي الحال في قطاعات حيوية أخرى، إلى أسباب عدة لا يهتم المثقفون بدراستها أو معالجتها رغم معرفتهم بأنها تصرف وجهة الاستثمار بعيدا عن مجالهم الذي ما زال يقوم فقط على الدعم الرسمي من قبل أجهزة الدولة في حين لم يقم بأي خطط إستراتيجية تصنع منه بيئة حقيقية لأي مشروع قابل لاستقطاب القطاع الخاص. وهو ما أدى إلى غياب المنتج الثقافي الفعلي، وانعدام التطبيق الذي تتداخل فيه القيمة المعرفية والإبداعية مع استثمارها ماديا وحضاريا.

ولذلك فإنّ مفهوم الصناعة الثقافية شبه غائب في العالم العربي وهو شبه معدوم في الاقتصادات الوطنية والقومية، كما أن الاستثمار في المجال الثقافي لا يكاد يذكر بالمقارنة مع مجالات أخرى، وهو الواقع الذي ترى مؤسسات أنه يقود إلى ضعف احتمال تحقيق متطلبات الثقافة واستحقاقاتها، فضلا عن عدم القدرة على مجابهة تحديات الأمن الثقافي القائمة على صناعة تنمية في هذا المجال، تمثل عنصرا رئيسيا من التنمية المستدامة.

وقد أُحرِزت الصناعات الثقافية حتى اليوم نجاحات كبرى في بلدان الجنوب، شأن الهند وجنوب أفريقيا، وكولومبيا، وفنزويلا، والصين، والبرازيل، وبلدان أخرى من أميركا اللاتينية، حيث تمثل إيرادات الصناعة الموسيقية نسبة 4 إلى 5 بالمئة من الإيرادات العالمية. ولكن، لا يزال لازما كثير من العمل لتحسين مشاركة غالبية البلدان النامية في هذه القطاعات المتميزة.

مفهوم الصناعة الثقافية شبه غائب في العالم العربي وهو شبه معدوم في الاقتصادات الوطنية والقومية، كما أن الاستثمار في المجال الثقافي لا يكاد يذكر بالمقارنة مع مجالات أخرى

الفرصة مازالت قائمة

إن الصناعات الثقافية في الدول النامية لا تستطيع النجاح أو حتى مجرد الصمود إذا تركت لاقتصاد السوق، وذلك بسبب المنافسة غير المتكافئة من قبل من استحوذ على السوق من خلال السبق وامتلاك التكنولوجيا المتقدمة. لذلك فإن مثل تلك الصناعات تحتاج من الدول التي تنشد الاستثمار في الصناعات الثقافية دعمها وحمايتها ورعايتها حتى تقف على أقدامها وتعزز وجودها.

وقد أصبحت الصناعات في هذا المجال تدر عائدات مالية ومادية وفيرة ولها فوائد كبيرة وأصبح الاستثمار فيها ذا أهمية قصوى حتى أنه يمكن القول إن الرأسمالية الثقافية في طريقها إلى التبلور، كما أن تزاوجها مع الصناعات الرقمية والتكنولوجيات الحديثة أصبح أساسيا مما يتيح القول إن الحضارات أصبحت ذات صبغة رقمية، خصوصا الحضارة الغربية.

ولذلك فإنّ الدول العربية مطالبة اليوم بإنشاء قاعدة معلومات تطال أركان تلك الصناعة والمتمثلة في المنتجين والمنتجات والمستهلك محليا وعالميا. وذلك لكي تكون تلك المعلومات كفيلة بجذب المستثمر من خلال الثقافة ووضوح الرؤية.

كما أنّ الدول العربية مطالبة بالعمل الدؤوب على ضم الصناعات الثقافية إلى قائمة الصناعات الوطنية التي تحظى بالدعم وتشجيع الاستثمار، إضافة عن سن التشريعات اللازمة التي تكفل نجاح الاستثمار فيها، ويدخل في ذلك وضع برنامج لحفز الاستثمار في مجال الخدمات وإنتاج المضامين الثقافية الرقمية والتعريف بالفرص المتوفرة في ذلك المجال.

وقد بات من المؤكد أنّ الصناعات الإبداعية أصبحت من الصناعات الثقيلة التي تسهم في الناتج القومي الإجمالي أكثر من الصناعات الأولية والتحويلية، لما توفره تلك الصناعات من زيادة في الميزان التجاري وتحقيق أعلى معدل عائد وتوفر تكلفة أقل من الاستثمار في الصناعات الأولية، وفي الوقت ذاته فإنها تؤدي إلى تكوين ثروات هائلة واستثنائية قلما تحققها الصناعات الأخرى.

وكمثال عربي، تُعتبر الصناعات الإبداعية ركيزة للتقدم في مصر، التي سعت إلى وضع الإبداع في مقدمة اهتماماتها، إيمانا منها بأنه قاطرة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي في المستقبل، وأن المبدعين الذين يملكون الأفكار سيكون لهم نفوذ أكثر في التنمية وتحقيق الازدهار لبلدانهم، وهو ما يجب تعميمه عربيا ما دامت الفرصة لم تضع بعد.

6