اقتصاد إيران على حافة الانهيار

الشارع الإيراني لم يعد يفرق بين الإصلاحيين والمتشددين، واشتعال حمى البحث عن الذهب لإنقاذ مدخرات الإيرانيين.
الجمعة 2018/08/10
اختفاء العملات الأجنبية من الشارع الإيراني

طهران – يكشف تصاعد التوتر بين أطراف السلطة في إيران حجم الأزمة الخانقة، حيث يتسابق كل طرف بإلقاء اللوم على طرف آخر ويطالبه بإيجاد مخرج من الهاوية العميقة.

واستبق المرشد الأعلى علي خامنئي والحرس الثوري دخول المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية حيز التنفيذ بإصدار توجيهات صارمة للرئيس حسن روحاني بالتعامل مع ملف الفساد والتحرك لوقف تدهور العملة الإيرانية.

وتحرك البرلمان لاستدعاء روحاني لتفسير تراجع الاقتصاد، لكن جميع تلك الجهات لم تشر إلى كيفية التعامل مع تزايد مشاعر السخط والغضب في الشارع الإيراني بسبب تدهور الأوضاع.

وبدأت بوادر الاحتجاجات مع انحدار مستويات المعيشة، بعد ارتفاع أسعار الأغذية بأكثر من 50 في المئة، وفاقمها ارتفاع درجات الحرارة واتساع انقطاع الكهرباء.

وأسفرت المظاهرات التي شهدتها مدينة كراج غرب طهران عن مقتل شخص واحد وإصابة 20 آخرين. وحطم محتجون في مدينة مجاورة نوافذ مؤسسة تعليمية وحاولوا إشعال النار فيها.

وتبدو الاحتجاجات مرشحة للانفجار مع التدهور الحتمي للأوضاع الاقتصادية السيئة للغاية بالفعل. فالعقوبات الأميركية الجديدة تحظر على إيران شراء الدولار والذهب والمعادن والسيارات وحتى صفقات تبادل العملة الإيرانية في الخارج.

ويكشف فقدان الريال لنحو 70 في المئة من قيمته منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو الماضي حجم الخراب الذي يحاصر جميع مفاصل الاقتصاد.

والحقيقة أن الضربة الأميركية القاضية ستكون في نوفمبر حين تعيد الولايات المتحدة فرض العقوبات على صناعة النفط الإيرانية وتطارد الشركات والدول التي تتعامل مع النفط الإيراني، الذي يمثل شريان الحياة الوحيد للاقتصاد الإيراني.

58 بالمئة من الإيرانيين يرون الأوضاع الاقتصادية تتدهور بسرعة وفق استطلاع "إيران بول"

وكان الاتفاق النووي ورقة روحاني الرابحة التي مكنته من الفوز بفترة رئاسة ثانية في انتخابات عام 2017 حين ركزت دعايته الانتخابية على نجاح حكومته في التوصل إلى اتفاق مع الدول الغربية الكبرى يتضمن إلغاء كل العقوبات الدولية على إيران.

ووعد روحاني في حينها بأن يؤدي الاتفاق إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية وانتعاش الاقتصاد الإيراني الذي عانى من سنوات العزلة والحصار، ولكن بعد 3 سنوات فقط من الاتفاق انقلبت الأمور رأسا على عقب.

وبدلا من أن يجني روحاني ثمار الاتفاق أصبح عليه أن يشرح للشعب كيف سارت الأمور في الطريق الخطأ وكيفية إصلاحها. ويرى خبراء أن روحاني يتعامل مع أزمة العقوبات الأميركية بنظام رد الفعل وليس وفق استراتيجية متماسكة.

ويقول الخبير الاقتصادي وأحد مستشاري الحكومة الإيرانية سعيد لايلاظ إن الحكومة “تتعامل مع العقوبات الأميركية بطريقة عشوائية وكيفما اتفق”.

ويضيف أن الشعب فقد ثقته في الحكومة وأصبح يتوق إلى التدخل لتغيير الأوضاع. وهو يريد حلولا سواء جاءت من رجال ملتحين (في إشارة إلى حكم رجال الدين في إيران) أو من رجال يرتدون ربطات العنق.

سعيد لايلاظ: الحكومة الإيرانية تتعامل مع العقوبات بطريقة عشوائية وكيفما اتفق
سعيد لايلاظ: الحكومة الإيرانية تتعامل مع العقوبات بطريقة عشوائية وكيفما اتفق

ورغم أن روحاني ملتح ويرتدي الزي التقليدي لرجال الدين الإيرانيين، فإنه يحكم إيران كرئيس معتدل. وهو يجد نفسه حاليا بين شقي الرحى.

ويواجه روحاني من جهة اليمين ضغوطا من رجال الدين المحافظين الذين كانوا يعارضون الاتفاق النووي منذ البداية. وعلى اليسار يواجه انتقادات لعدم قيامه بإصلاح النظامين السياسي والاقتصادي خلال أول عامين من تطبيق الاتفاق.

وقد حققت إيران تقدما بالفعل منذ دخول الاتفاق الدولي حيز التطبيق، حيث زادت صادراتها النفطية، لكنها لم تتمكن من توفير وظائف جديدة في دولة يمثل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما نحو 60 في المئة من السكان.

ورغم أنه لا يوجد ما يشير إلى أن وضع روحاني مهدد، فإن التدهور السريع لثقة الشعب وتطلعاته، يمكن أن يهدد أي زعيم، ويزداد الأمر سوءا في دولة يسيطر فيها رجال الدين المحافظون على قدر كبير من السلطة والقوة.

وبحسب استطلاع أجراه مركز “إيران بول” لقياسات الرأي العام ومقره مدينة تورنتو الكندية لصالح جامعة ميريلاند الأميركية، في وقت سابق من العام الحالي فإن 58 في المئة من الإيرانيين قالوا إن الأوضاع الاقتصادية تتدهور، مقابل 28 في المئة كانوا يرون ذلك في أغسطس 2015 أي بعد شهر واحد من توقيع الاتفاق النووي. في الوقت نفسه فإن المؤسسة السياسية الإيرانية تدرك أنه مازال أمامها 3 سنوات من حكم روحاني.

كما أن الأزمة الحالية قد تنتهي بتعزيز قبضة روحاني على السلطة محليا مع احتشاد النخبة السياسية حوله في مواجهة الولايات المتحدة من أجل الحفاظ على بقاء النظام.

ويرى أمير هاندجاني الباحث في “المجلس الأطلسي” للدراسات أنه لا فرق الآن بين الإصلاحيين والمتشددين في إيران، فكلهم في قارب واحد.

أنيسه باسيري تبريزي: لا يوجد بديل حقيقي أمام الإيرانيين وانفجار الشارع مسألة وقت لا أكثر
أنيسه باسيري تبريزي: لا يوجد بديل حقيقي أمام الإيرانيين وانفجار الشارع مسألة وقت لا أكثر

ورغم ذلك فهذه أهم لحظة بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ فوزه بالرئاسة، فبعد إعلان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو الماضي، كانت هناك آمال في قدرة الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا على إنقاذ الاتفاق.

لكن اتضح صعوبة ذلك السيناريو الآن وأعلنت الشركات الأوروبية الكبرى مثل بيجو وتوتال وسيمنز ودايملر وقف أنشطتها في إيران خوفا من العقوبات الأميركية.

وإذا نجحت الولايات المتحدة في عرقلة قدر كبير من صادرات إيران النفطية، فسوف تجد طهران نفسها في مواجهة أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية هائلة وغير مسبوقة. كما أن تداعيات هذا السيناريو ستنعكس على العالم كله.

ومن المحتمل أن تتجه إيران إلى الصين بصورة متزايدة إذا تم حرمانها من الوصول إلى مصادر التمويل الغربية. وهددت إيران بمنع مرور النفط الخليجي من مضيق هرمز الذي تمر منه نحو 30 في المئة من إمدادات النفط العالمية إذا تم حرمانها من تصدير نفطها. وبعد أقل من أسبوع على إعادة تفعيل الشريحة الأولى من العقوبات الأميركية على إيران، امتلأت سوق الذهب في طهران بالإيرانيين الذين يحاولون شراء الذهب للمحافظة على قيمة مدخراتهم.

وفي أحد مكاتب الصرافة المزدحمة بالعملاء الذين يريدون استبدال اليورو بالريال، قالت سيدة تدعى معصومة إنها تحاول منذ شهور شراء اليورو لمساعدة ابنتها في دفع مصاريف دراستها لطب الأسنان في المجر، مضيفة “اليوم لا نجد أي مكتب صرافة مستعد لبيع العملات الأجنبية. إنني أشعر باليأس”.

وتقول أنيسة باسيري تبريزي الباحثة في معهد “رويال يونايتد سيرفس” في لندن إنه “لا يوجد بديل حقيقي” أمام الإيرانيين. فقد مني مرشح المحافظين الشعبوي بهزيمة كبيرة في انتخابات الرئاسة الإيرانية في العام الماضي، الأمر الذي يجعل انفجار الشارع مسألة وقت لا أكثر.

10