اقتصاد إيران في أقسى انكماش منذ حربها مع العراق

صندوق النقد الدولي يرجح انكماشا لاقتصاد البلاد بنسبة 9.3 بالمئة هذا العام.
الاثنين 2019/08/26
بحثا عن عملة الشيطان الأكبر
 

أكد خبراء وتقارير عالمية أن الاقتصاد الإيراني سيتلقى ضربة قاضية من تفاقم الانكماش المتوقع. واستبعدوا أي أمل لنجاة الاقتصاد إلا إذا حصل تغيير في سياسات طهران الخارجية.

لندن - ذكرت تقارير عالمية أن الاقتصاد الإيراني يتجه لانكماش غير مسبوق منذ الحرب الطويلة مع العراق في ثمانينات القرن الماضي بسبب الشلل الذي فرضته العقوبات الأميركية الشاملة.

ويرجح صندوق النقد الدولي في آخر تقاريره في يوليو أن يتسع انكماش الاقتصاد الإيراني إلى 9.3 بالمئة هذا العام، وهو رقم أسوأ بكثير من تقديراته السابقة في أبريل التي توقعت انكماشا بنسبة 6 بالمئة. وسيكون هذا الانكماش الأقسى، الذي تشهده إيران منذ نهاية حرب الثماني سنوات مع العراق في عام 1988.

تشارلز روبرتسون: توقعات صندوق النقد القاتمة قد يتبين أنها متفائلة جدا
تشارلز روبرتسون: توقعات صندوق النقد القاتمة قد يتبين أنها متفائلة جدا

وتعكس تقديرات الصندوق، التي لن يصدر تعديل لها حتى نوفمبر المقبل، إلغاء واشنطن لجميع إعفاءات شراء النفط الإيراني في مايو، والتي جاءت بعد التقديرات السابقة.

وتفوق تلك التقديرات جميع التوقعات المتشائمة بشأن وطأة العقوبات على الاقتصاد الإيراني، حيث ترجح مؤسسة فوكوس إيكونوميكس انكماشا بنسبة 5.9 بالمئة في العام المالي الإيراني الذي ينتهي في مارس 2020.

ويقول ستيف جونسون في تحليل في صحيفة فايننشال تايمز إنه مهما كان نطاق الركود هذا العام، فإنه سيوجه ضربة قاضية لبلد يعرف جيدا قسوة التراجع الاقتصادي ويضم 83 مليون نسمة.

ويخشى تشارلز روبرتسون، كبير اقتصاديي رينيسانس كابيتال الاستشارية من أن توقعات صندوق النقد القاتمة بشأن نمو اقتصاد إيران “قد يتبين أنها متفائلة فوق الحد”.

ويضيف أن “بيانات الناتج المحلي الإجمالي الإيراني ستكون مؤلمة هذا العام” وأنه لن يتفاجأ إذا انكمش الاقتصاد بمعدلات تفوق انكماشه بنسبة 9.9 في عام 1984 ونحو 9.5 بالمئة في عام 1988.

ويشير حسن حكيميان رئيس الرابطة الاقتصادية الإيرانية الدولية إلى أن التوقعات قبل انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، كانت ترجح نمو اقتصاد إيران هذا العام بنسبة 4 بالمئة ما يعني أنه سيخسر أكثر من 10 بالمئة من الناتج المحلي حتى إذا كان الانكماش بنسبة 6 بالمئة.

ويقول جون سفاكياناكيس، كبير اقتصاديي مركز الخليج للبحوث في الرياض، إن الإيرانيين شهدوا 8 أعوام من الجحيم في الثمانينات حين تم تحويل الاقتصاد بالكامل إلى المجهود الحربي.

وأضاف أن الاقتصاد الإيراني يتفكك منذ عام 2000 “وهم ينتقلون من سيء إلى أسوأ. السياسة عطلت تماما إمكانية النمو. جميع البلدان المصدرة للنفط تمتعت بأداء جيد، عدا إيران التي لم تستطع اغتنام الفرصة”.

وأشار حكيميان إلى أن اقتصاد إيران كان ينمو قبل الثورة في عام 1979 بنسبة 9 بالمئة وهي النسبة التي حققتها الصين خلال فترة نموها. وكان حجم اقتصاد إيران ومعدل النمو الاقتصادي أكبر من كوريا الجنوبية.

وأضاف لو أنهم لم يغيروا الاتجاه، لكانت إيران واحدا من نمور النمو الآسيوية لأنها من أكثر البلدان المصدرة للنفط تنوعا. إمكانات إيران كانت موجودة ولا تزال لولا سوء
الإدارة.

ويقول سفاكياناكيس إن معدل التضخم الرسمي هو 48 بالمئة لكن “الإيرانيين سيقولون لك إنه نحو 80 بالمئة، أما معدل البطالة فهو 25 بالمئة على الأقل، وليس 12 بالمئة التي يذكرها المصرف المركزي الإيراني”.

اقتصاد منهك
اقتصاد منهك

أما سعر صرف الدولار البالغ نحو 12 ألف تومان في السوق السوداء فهو يعادل 3 أضعاف السعر الرسمي البالغ 4.2 ألف تومان، ما يزيد تكلفة السلع التي تستطيع طهران استيرادها.

ويؤكد حكيميان للفايننشال تايمز أن “تجربة الإيرانيين العاديين مؤلمة. هناك تقارير متزايدة عن نقص الأدوية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بنحو 75 بالمئة رغم أنها معفاة من العقوبات” بسبب عزلة إيران عن النظام المالي.

ويقول “ليس هناك شك في أن الإيرانيين العاديين يعانون آلاما هائلة خاصة أن العقوبات الجديدة باغتتهم فجأة وخلال فترة زمنية قصيرة للغاية”.

وتذهب بيانات أوبك إلى أن إنتاج النفط الإيراني تراجع من 3.5 مليون برميل يوميا قبل فرض العقوبات الأميركية في نوفمبر 2018 إلى 2.2 مليون في يوليو الماضي. وتراجعت الصادرات بأكثر من 80 بالمئة.

ويرى حكيميان أنه حتى لو استطاعت إيران بيع النفط فإن القبضة الحديدية للولايات المتحدة على النظام المصرفي العالمي تشل قدرتها على وضع يدها على إيرادات عمليات
البيع.

حسن حكيميان: موارد إيران كبيرة لكن المصير المظلم مرتبط بسياسات النظام
حسن حكيميان: موارد إيران كبيرة لكن المصير المظلم مرتبط بسياسات النظام

ويؤكد ذلك سفاكياناكيس بالقول إن العقوبات على صادرات الطاقة مرتبطة بالجانب المالي، وإذا أرادت أي جهة شراء النفط الإيراني، فإنها لن تستطيع لأن المؤسسات المالية لا تستطيع تسهيل الصفقات.

وتشير توقعات فوكوس إيكونوميكس إلى جوانب أخرى للضرر الذي أصاب الاقتصاد الإيراني، مثل ترجيح تراجع الاستهلاك الخاص هذا العام بنسبة 2.8 بالمئة وتراجع الاستهلاك الحكومي بنسبة 1.8 بالمئة وانخفاض الواردات والصادرات بأكثر من 20 بالمئة.

ونسبت فايننشال تايمز إلى سفاكياناكيس قوله إن “فقدان الثقة يجعل من الصعب القيام بالأعمال مع بقية العالم… قصة الأمد الطويل للاقتصاد الإيراني كئيبة إلى حد كبير. أعتقد أن التومان سيستمر في السقوط”.

ويضيف أن “الاقتصاد الإيراني يعاني عددا كبيرا من المشكلات إلى درجة أنهم لا يعرفون في الواقع من أين يبدأون. هناك أوجه تشابه كثيرة مع فنزويلا. هم لم يصلوا إلى تلك المرحلة حتى الآن، لكنهم يتبعون ما مر به الاقتصاد الفنزويلي قبل بضعة أعوام”.

ويستبعد حكيميان أي “تحول كبير في الموقف الإيراني” حتى إذا تراجع تأثير العقوبات وكان هناك زخم في الجهود الرامية إلى جذب السياح الأجانب بعد قرار إلغاء متطلبات التأشيرة للزوار من الصين.

ويقول “ليس من الصعب أن نتصور أن يكون البيت الأبيض قادرا على الضغط على الاقتصاد الإيراني في المرحلة المقبلة”.

ويضيف أنه على المدى الأطول، لا بد من ربط نهوض إيران اقتصاديا بحل مشكلاتها في السياسة الخارجية، وهي مسألة صعبة التصور في الظروف الحالية.

وأكد أن “رأس المال البشري في إيران جيد جدا وكذلك الثروات والموارد الطبيعية، وهذا يعني أن اللعنة الأبدية والمصير المظلم مرتبطان بسياسات النظام”.

10