اقتصاد الخراب: الممارسات الاقتصادية الخفية لحزب الله اللبناني

السبت 2015/02/28
إرهاب اقتصادي يمارسه "حزب الله" لا يقل وطأة عن الإرهاب الأمني

شبهات الفساد التي تحوم حول الأنشطة الاقتصادية التي يقوم بها “حزب الله” في لبنان وفي مناطق عديدة أخرى من العالم، ازدادت وتيرتها بعد إقحام نفسه في حرب سورية أثقلت من نفقاته العسكرية، خاصّة في ظلّ انخفاض أسعار النفط وتراجع مداخيل إيران التي تعدّ الممول الأهم للحزب، مما دعاه إلى تنشيط مافياته المالية في جل أنحاء العالم من أجل سد ذاك العجز.

“حزب الله ليس مهتما إذا انهار الاقتصاد أو ظل متماسكا، لأن اقتصاده على ما يرام ولأن اقتصاده مستقل عن الدولة اللبنانية”. يلخص هذ القول للنائب في البرلمان اللبناني نديم الجميّل واقع الممارسة الاقتصادية لحزب الله.


اقتصاد خاص


بنى حزب الله منذ نشأته الأولى اقتصادا خاصا به لا يرتبط مع الدولة ومؤسساتها بأي رابط. كان هذا الاقتصاد في الفترة الأولى يعتمد بشكل مباشر وشبه حصري على الدعم الإيراني الذي كان يقدر في الفترة التي شهدت ظهور الحزب في الثمانينات بحوالي 100 مليون دولار سنويا.

ونما هذا الدعم حتى وصل إلى حدود 200 مليون دولار سنويا وظل يتصاعد حتى لامس في فترة نشوب الحروب أو مشاركة الحزب في الانتخابات النيابية عتبة 600 مليون دولار سنويا.

ساهم الدعم الإيراني في تغطية حاجيات الحزب المادية والعسكرية، ونفقات شبكة مساعداته الاجتماعية التي يقدمها لعوائل شهدائه، ورواتب المتفرغين الذين يخدمون في صفوفه.

وعمد من أجل ذلك إلى إنشاء مؤسسات تعنى بتسيير شؤون مقاتليه ومحاربيه وهي مؤسسات علنية، ولكنها كانت تستخدم لتأسيس نوع آخر من النشاط الاقتصادي الخفي الذي يدار بسرية تامة.

تبدو المشكلة الأساسية في التعاطي مع اقتصاد حزب الله أن الحزب كان يحصر تعامله في السيولة النقدية فلا توجد تحويلات مصرفية، ولا إيداعات، ولا شيكات، حيث لا تمر أمواله عبر المصارف اللبنانية، وبالتالي تصبح عملية مراقبة وتحديد حجم نشاطه الاقتصادي وطبيعته صعبة للغاية.

ولا يمكن الحصول على معلومات بشأنها إلا عبر خروقات وتسريبات من داخل الحزب، وهو أمر كان يبدو لوهلة مستحيلا في ظل إحكام القبضة الأمنية للحزب على عناصره، وضيق شبكة أصحاب المعلومات في داخله، وعدم ارتباط بعضهم ببعض.

المشكلة التي تواجه أي باحث في اقتصاد "حزب الله" هي أن هذا النشاط الاقتصادي يضفى عليه طابع النضال والمقاومة

المشكلة الثانية التي تواجه أي باحث في اقتصاد الحزب “الإلهي” هي أن هذا النشاط الاقتصادي لا يمارس بصفته سلوكا عاديا، بل يضفى عليه طابع النضال والمقاومة.

ويصبح بالتالي جزءا من عملية ممارسة دينية محاطة بأسمى آيات التبجيل والقداسة، وهو محروس بالفتاوى الشرعية التي تبيح لممارسيه ما لا يمكن لأي قانون أو دستور في أي دولة في العالم أن يسمح به.

ولذلك فمن الطبيعي أن يكون هذا النوع من النشاط الإقتصادي صاحب منطق خاص يضعه على الدوام في مواجهة مع اقتصاد الدولة الذي هو الاقتصاد العام.


دولة المافيا


لعل مصطلح “الدولة داخل الدولة” الذي بات يطلق على حزب الله لا يختص فقط بوصف الجانب الأمني والعسكري ولكنه يصف ويتحدث بشكل خاص عن الممارسة الاقتصادية التي تخترق كل مرافق الدولة من المطار والمرفأ إلى مؤسساتها وتنخرها من الداخل.

ويقوم هذا الكيان بإفراغ الدولة من حيويتها في استراتيجية مماثلة لطبيعة الاقتصاد الإيراني الذي يسيطر فيه المرشد الأعلى على امبراطورية اقتصادية يصل حجمها كما تقول التقديرات إلى 95 مليار دولار، وهي مستقلة تماما عن موازنة الدولة الإيرانية.

التمويل الإيراني لحزب الله كان يعتمد على الطفرة الكبيرة التي شهدتها الأسواق النفطية بشكل خاص، وخاصة حين بلغ سعر النفط مستويات قياسية في السنوات الماضية. لكن عودة الأسعار إلى الهبوط منذ منتصف العام الماضي قلص العوائد الإيرانية، مما أجبر إيران على خفض دعمها للحزب بنسبة بلغت نحو 50 بالمئة.

وقد تمكن حزب الله من تصميم شبكة اقتصاد مافياوي تنطلق من لبنان وتكاد تشمل خارطة العالم. لم تتوفر معلومات عن هذه الشبكة إلا من خلال فضائح مدوية وكارثية ولا يمكن إخفاؤها، فهي وحدها التي سمحت لنا بتلمس معالم هذا الاقتصاد “الإلهي” المضاد لاقتصاد الناس.

مصطلح "الدولة داخل الدولة" لا يختص فقط بوصف الجانب الأمني والعسكري ولكنه يصف الممارسة الاقتصادية كذلك


غسيل أموال


في عام 2004 تحطمت طائرة تابعة لاتحاد النقل الأفريقي عند إقلاعها من مطار كوتونو، وقد اتضح أن تلك الطائرة كانت تحمل مسؤولا في حزب الله واثنين من مساعديه، وكان بحوزتهم مبلغ مليوني دولار. وقيل آنذاك إنها كانت عبارة عن تبرعات قدمها بعض الأثرياء اللبنانيين الذين يمارسون نشاطا اقتصاديا في أفريقيا لصالح الحزب.

وكتب ماثيو ليفيت مدير مركز ستاين لمكافحة الإرهاب في معهد واشنطن، عارضا نشاط ما أطلق عليه اسم حزب الله – فرع أفريقيا قائلا “إن ناشطي حزب الله في أفريقيا يقومون باستثمار وغسيل كميات كبيرة من الأموال، ويقومون بتجنيد ناشطين محليين وجمع معلومات استخباراتية”.

ولم يتم توثيق تلك الاتهامات ضد الحزب بشكل رسمي، لكن سفير الولايات المتحدة الأسبق لدى سيراليون ليون جوزف ملروز، وسفير سيراليون السابق لدى الولايات المتحدة جون لاي، أكدا أن الألماس المستخرج من مناجم سيراليون يستخدم في تمويل جماعات إرهابية، بينها حزب الله.

بعد ذلك ظهرت إلى العلن قضية إفلاس رجل الأعمال اللبناني صلاح عزالدين الذي كان يدير شبكة استثمارات ضخمة، ينضوي تحتها عدد كبير من العائلات والشخصيات الجنوبية والشيعية المقربة من حزب الله.

كان عزالدين يستثمر الأموال التي تودع لديه في مشاريع غير معروفة، وكان يقدم للمساهمين أرباحا خيالية لا يمكن لأي عمل استثماري مشروع أن ينافسها بأي شكل من الأشكال حيث أنها كانت تصل إلى حدود 40 بالمئة سنويا.

كان انهيار القلعة المالية لعزالدين في أغسطس 2009 حدثا ضخما ومفاجئا، وقد وصفت قضيته بأنها أكبر عملية احتيال في تاريخ لبنان، حيث قدر حجم الأموال التي كانت تحت تصرفه بنحو 1.5 مليار دولار، لم يظهر أثر لأي دولار منها في أي مصرف لبناني.

اخطبوط حزب الله يمد أذرعه إلى القارة السمراء

المفاجأة كانت في ارتباط عزالدين المباشر بحزب الله فهو كان قد أسس دار نشر عملاقة تحمل اسم نجل الأمين العام للحزب هادي نصرالله.

كما أشار تقرير سترافورد غلوبال انتليجنس إلى أن عزالدين قام باستثمار أموال عائدة للحرس الثوري موجودة في لبنان، واتضح أيضا أن عددا من نواب الحزب وقيادييه كانوا يستثمرون أموالهم معه.

وقد أدى إفلاسه إلى كشف حجم ثرواتهم، ما أحرج قيادة الحزب أمام جماهيره الفقيرة والتي يُطلب منها الصبر والتحمل، لذا فقد حاول الحزب التنصل من علاقته به دون أن يقتنع أحد بذلك.

تتالت بعد ذلك الوقائع التي تكشف عن اعتماد حزب الله على نشاط إجرامي غير مشروع لتمويل نفسه. وفي هذا الصدد يقول ماثيو ليفيت “بدأت تظهر بسرعة مؤشرات في جميع أنحاء العالم على اعتماد حزب الله المتزايد على النشاط الإجرامي.

ففي فبراير 2011، اتهم الإدعاء العام الأميركي 7 مواطنين أميركيين، أحدهم عميل معروف لحزب الله، بالتآمر لمساعدة طالبان. وقام عملاء من إدارة مكافحة المخدرات الأميركية بتسجيل اجتماعات في بنين وغانا ورومانيا وأوكرانيا بين المدعى عليهم ومصادر سرية في إدارة مكافحة المخدرات، يعملون كممثلين لطالبان.

ووفق ما ورد في التسجيلات، وافق بعض الأفراد على استلام أطنان من هيروين طالبان وتخزينه ونقله.

فيما عرض آخرون بيع كميات كبيرة من الكوكايين لحركة طالبان أو عملائها لإعادة بيعها، سواء بأنفسهم أو من خلال تجار المخدرات في الـولايات المتحدة الأميركية لتحقيق أربـاح.

وكان من بين الأفراد المتهمين، ألوار بوريان، وهو مواطن إيراني وصفه أحد زملائه بأنه “مهرب أسلحة منتسب لحزب الله” خطط لبيع أسلحة لممثلي طالبان، وأعطى عملاء إدارة مكافحة المخدرات تفاصيل بشأن الصفقة المقترحة.

نشاط حزب الله الاقتصادي السلبي لم يقف عند أي حدود أخلاقية فقد تبين أن أقرباء كبار المسؤولين فيه يديرون شبكة ضخمة لصناعة وتوزيع المخدرات وفرض الأتاوات على الناس


أيمن جمعة والبنك اللبناني الكندي


يواصل ليفيت عرضه لنشاط حزب الله الاقتصادي الإجرامي فيؤكد أن الخزانة الأميركية كانت قد وضعت في يناير عام 2011 زعيم تجارة المخدرات اللبناني أيمن جمعة على قائمتها السوداء، إلى جانب 9 آخرين و19 شركة ضالعة معهم في تجارة المخدرات وغسيل الأموال.

وقد كشف تحقيق مكثف أجرته إدارة مكافحة المخدرات، أن جمعة كان يقوم بغسل ما يصل إلى 200 مليون دولار شهريا من مبيعات الكوكايين في أوروبا والشرق الأوسط لحساب شركات قائمة في كولومبيا ولبنان وبنما وغرب أفريقيا من خلال شركات الصرافة وتهريب الأموال النقدية السائبة إلى جانب نشاطات أخرى.

وذكر الادعاء العام الأميركي أن غالبية أرباح تلك المخدرات تم تحويلها إلى حزب الله، وبعدها بأسبوعين، صنفت وزارة الخزانة الأميركية البنك اللبناني الكندي على أنه “مؤسسة مالية ينصب تركيزها الأساسي على غسيل الأموال” بسبب تواطئها مع جمعة لغسل أرباحه غير المشروعة وتوجيهها إلى حزب الله.

ويشير عمق علاقة حزب الله مع جمعة والبنك اللبناني الكندي، ثامن أكبر بنك في لبنان، والذي تشير التقديرات إلى أن أصوله بلغت في عام 2009 نحو 5 مليار دولار، إلى مدى تعقيد وطموح الأنشطة الإجرامية لحزب الله.

قضية البنك اللبناني الكندي تمت تسويتها عبر دفع مبلغ 102 مليون دولار اقتطعتها الولايات المتحدة مباشرة من أموال البنك المحجوزة لديها والبالغة قيمتها حوالي 150 مليون دولار.

وقد أضرت هذه العملية بسمعة القطاع المصرفي اللبناني الذي حاول حماية نفسه عبر الضغط من أجل إصدار مجموعة من القوانين المنسجمة مع القوانين الدولية، والتي من شأنها إعادة الثقة بالقطاع المصرفي اللبناني، ولكن حزب الله كان يعمد عبر سيطرته على الحكومة إلى تعطيلها.

الإرهاب الاقتصادي الذي يمارسه حزب الله لا يقل خطورة عن ممارسات الحزب في سوريا ولبنان


كبتاغون الموسوي وأسلحة يزبك


لم يقف نشاط حزب الله الاقتصادي السلبي عند أي حدود أخلاقية فقد تبين أن أقرباء كبار المسؤولين فيه يديرون شبكة ضخمة لصناعة وتوزيع المخدرات وفرض الأتاوات على الناس.

وكان من أبرز الأسماء التي تم الكشف عنها، شقيق النائب حسين الموسوي الذي يعمل في تصنيع وتصدير حبوب الكبتاغون المخدرة، ونجل مسؤول القضاء في حزب الله الشيخ حسين كوراني الذي يدير شبكة لتجارة المخدرات انطلاقا من الضاحية الجنوبية.

كما ضمت شقيق النائب علي عمار الذي يعمد إلى فرض أتاوات على الناس بالقوة، وشقيق مصطفى بدر الدين المتهم في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي يسيطر على سوق اللوحات الإعلانية في الضاحية، ويتحكم بالأسعار كما يشاء.

وتبين أيضا أن أبناء رئيس الهيئة الشرعية في حزب الله محمد يزبك يعملون في تجارة المخدرات وبيع السلاح لأي كان، حتى للجيش الحر السوري، الذي يحاربه حزب الله.

ويشرح القيادي في تيار المستقبل مصطفى علوش هذا الأمر قائلا “إن حزب الله يمارس نشاطات غير أخلاقية وغير شرعية، بدءا من غسيل الأموال إلى تهريب المخدرات والتهرب من دفع الضرائب والجمارك، حتى بات ذلك أمرا عاديا”.

ويضيف علوش أن السبب في سهولة ممارسة هذا السلوك يعود إلى أن المقدمين عليه “لديهم تبريرات أخلاقية ثورية لهذا الفساد مبنية على نصوص للولي الفقيه، وأن الأمور زادت تعقيدا الآن بسبب الوضع المالي الإيراني الصعب الناجم عن العقوبات الغربية، إضافة إلى العبء المالي الهائل المترتب على دعمها للنظام السوري”.

ويشير إلى أن حزب الله ماليا تأثر أيضا بسبب غياب الدعم المالي الذي كان يتلقاه من الحكومات العراقية، خاصة في زمن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والتي توقفت بعد رحيله بسبب أزمة العراق الاقتصادية وحربه ضد تنظيم داعش.

وقد دفعت تلك العناصر مجتمعة حزب الله إلى الإيغال أكثر في استخدام ورقة الإجرام المالي من أجل تمويل حربه في سوريا وأنشطته في لبنان، بحسب علوش. يتسبب الإرهاب الاقتصادي والأمني الذي يمارسه حزب الله بأخطار كثيرة.

ويمكن تلخيصها في فكرة واحدة مفادها، أنه في ظل غياب القدرة على منافسة حزب الله في أنشطته المالية الإجرامية، فإن أمام التجار والمستثمرين وأصحاب المؤسسات والوكالات التجارية خياران إما اللجوء إلى ممارسة سلوك اقتصاد مافياوي مماثل، أو الانضواء المباشر تحت لواء اقتصاد حزب الله.

لا يخفى على أحد أن اعتماد أي من الخيارين يعني تدمير الاقتصاد اللبناني، وهو أمر تتعالى أصوات الخبراء الاقتصاديين في لبنان وفي الخارج بالتحذير منه.

ما يمارسه حزب الله من نشاط اقتصادي لا يمكن أن نطلق عليه في المحصلة الأخيرة سوى اسم اقتصاد الخراب، وهواقتصاد سادي يقوم على تعذيب الاقتصاد المشروع والتلذذ بما يصدر عنه من صرخات، بات الجميع في البلاد الواقعة تحت نير الحزب “الإلهي” يرددونها.


تفاصيل أخرى:


واشنطن تطارد شبكات حزب الله اللبناني في أفريقيا

6