اقتفاء أثر إلياس كانيتي في مراكش

الأحد 2017/01/29
سوق في مراكش: ألوان المغرب

مرة أخرى أعود إلى مراكش، المدينة التي أحببتها منذ زيارتي الأولى لها في صيف العام 1981. خلال العقد الأخير باتت هذه المدينة الصحراوية الحمراء الرابضة تحت جبال الأطلس، قبلة المشاهير من رجال الأعمال، ونجوم الفن والسينما والموسيقى. فيها يرممون البيوت القديمة والمهملة ليحولوها إلى فيلات وقصور فاخرة. كما أنها سرقت الأضواء من الدار البيضاء وفاس وطنجة بفضل المهرجان الدولي للسينما الذي ينتظم فيها سنويا، مستقطبا كبار المخرجين، ومشاهير الممثلات والممثلين. ولدعم المنجزات الهامة التي تشهدها، باتت المملكة المغربية تميل إلى تنظيم كبريات الندوات والتظاهرات الاقتصادية والسياسية في فنادقها الفخمة. مع ذلك، ظلت مراكش محافظة على نمط حياتها القديم الذي يذكّر بماضيها البعيد. وساحة “جامع الفنا” أفضل ما يحيل إلى هذا الماضي.

قرأت نصوصا وتحقيقات كثيرة عن مراكش، إلاّ أن كتاب إلياس كانيتي صغير الحجم "أصوات مراكش" هو الأثير إلى نفسي. يتألف هذا الكتاب الذي كان ثمرة زيارة قام بها الكاتب إلى مراكش عام 1954 من لوحات تصور الحياة اليوميّة فيها.

خلال الأسابيع التي أمضاها هناك، لم يحاول كانيتي أن يتعلم العربية، ولا أيّ لهجة بربرية إذ أنه لم يكن يرغب في أن يضيع شيئا من القوة الغرائبية للأصوات. وكان يريد أن تؤثر فيه تلك الأصوات كما هي، دون سعي إلى تقليص جاذبيتها بمعرفة اصطناعية، غير كافية. ولم يكن قد قرأ شيئا عن البلاد، وعن تقاليدها، لذا كانت غريبة عنه تماما مثل أهلها.

إلياس كانيتي يكتشف فتنة الحياة التي تلخص كل شيء في الشكل الأكثر بساطة ألا وهو التكرار. لذلك سيسمّي أولئك العميان "قديسو التكرار"

أسواق، توابل، عطور، حبّالون، باعة الجلود المدبوغة، وأزقة صامتة، منازل مغلقة، سطوح تفشي أسرار المدينة المتخفية وراء الحيطان العالية، ساحات عامرة بالناس، ضاجة بالحركة، مقابر قديمة. كل هذه يبدو كما لو أنه سلسلة لامتناهية من الصور، والأحاسيس، والانفعالات.

يبدأ الكتاب بلقاء مع الإبل في السوق الواقع أمام سور"باب الخميس". ويتكرر هذا اللقاء ثلاث مرات. وفي المرة الأخيرة، ينتهي بشكل فاجع إذ أن كانيتي يتألم شديد الألم لمصير جمل يباع أمامه، ثم يساق إلى المسلخ بعد مرور وقت قصير على ذلك. ولم يصور كانيتي مشهد ذبح الجمل، إلاّ أنه يجعلنا نستشعر فظاعة ما سيحدث. فالجمل وهو يساق إلى الذبح، يذكرنا بكل أولئك الذين كانوا يعدمون، ويشنقون في ساحة "جامع الفنا" في أزمنة حكم الطغاة والمستبدين.

بشاعريته الفيّاضة، يرسم إلياس كانيتي صورة بديعة للأسواق “تنشر الأسواق روائح التوابل. فيها تسيل الألوان، وينتعش المرء بالهواء البارد. والرائحة التي هي دائما لطيفة، تتغير من حين إلى حين بحسب طبيعة السلع المعروضة. وليس هناك أسماء، أو علامات، أو واجهات. كل ما هو للبيع معروض. ونحن لا يمكن أن نعرف الأثمان التي ليست لا مبيّنة، ولا محددة”. وهو يطوف في الأسواق، يتذكر إلياس كانيتي عيوب الحياة العصرية في المدن الغربية، ويكتب قائلا “إن إحدى كوارث حياتنا العصرية تكمن في أننا نتقبل كلّ أداة وهي مكتملة وجاهزة. وعادة ما تنقل إلى البيت وهي مهيأة للاستعمال كما لو أنها أداة سحريّة. هنا نرى العكس تماما. بإمكاننا أن نشاهد الحبّال وهو يشتغل (…) إنه عمل يتمّ أمام أعين المارة. وفي مجتمع سري للغاية، يخفي بدقّة متناهية دواخل بيوته عن الأجانب، كما يخفي أجساد نسائه ووجوههن، يبدو هذا الصدق في إظهار ما يصنع، وما يباع لافتا للانتباه”.

أمام شحاذين يرددون كلمة “الله” طوال الوقت، يشعر إلياس كانيتي بالدهشة والذهول. وسرعان ما يشرع في التفكير في معنى اللغة. أخيرا يكتشف فتنة الحياة التي تلخص كل شيء في الشكل الأكثر بساطة ألا وهو التكرار. لذلك سيسمّي أولئك العميان “قديسو التكرار”. ثم يغوص إلياس كانيتي في المدينة بحثا عن مكان مغلق ينسيه ضجيج الشوارع، واختلاط الأصوات المبهمة. مكان هادئ، بعيد عن نظرات الفضوليين. يدخل بيتا من تلك البيوت الصامتة. يصعد إلى السطح فيرى جبال الأطلس تلمع قريبة، والنخيل وهو يرتفع فوق المدينة، والمآذن الصاعدة إلى السماء. بعد أن يغادر السطح على عجل خشية أن يكتشف أهل البيت وجوده، يجد إلياس كانبتي نفسه في شارع ضيّق، صامت. فجأة، يعاين حركة غريبة. ينظر من حوله فإذا به يرى امرأة جالسة خلف القضبان، مطلقة صوتا عذبا ناعما كان يرنّ مثل همس بعيد. يظل واقفا هناك ساعيا لمعرفة سرّ تلك المرأة. أخيرا يخبره طفل أن المرأة الجالسة خلف القضبان “مريضة جدا”، أي أنها مجنونة.

في جوار ساحة الفنا

في ساحة "جامع الفنا" التي تبدو كما لو أنها سجلّ يحتوي على كل الأحداث والأساطير التي عرفتها مراكش عبر التاريخ، يختلط الواقع بالخيال إلى درجة يصعب التمييز بينهما. والرواة الشعبيون يجلبون اهتمام إلياس كانيتي، فيكتب عنهم قائلا “إن كلمات الرواة تأتي من البعيد البعيد. لوقت طويل تظل معلقة في الهواء أكثر من كلمات الناس العاديين. لا أفهم شيئا ممّا بقولون. إلاّ أنني أظل واقفا قريبا من أصواتهم ودائما مسحورا ومفتونا”. ويضيف إلياس كانيتي قائلا “هنا -أي في ساحة “جامع الفنا”- وجدت نفسي بين شعراء يمكنني أن أرفع بصري نحوهم لأن كلّ كلمة يقولونها يمكن أن تقرأ".

مفتونا، يتوقف إلياس كانيتي أمام بائعات الخبز وقد حجبن وجوههن حتى أنه لم يكن يرى غير عيونهن. مع ذلك أدرك بنظرته الخبيرة أن “ثمة عريا فاتنا في تلك الأقراص، وأيدي النساء النشطات تقول: يمكنك أن تأخذ مني هذا… خذه في يدك لأن يدي لمسته!”.

ذات ليلة، وجد إلياس كانيتي في قلب ساحة “جامع الفنا”، حلقة كبيرة من أناس يتزاحمون حول رجل كان يلقي أسئلة على حمار. وقد بدا له الحمار أكثر شقاء من كل الأحمرة حتى شاهدها في المدينة. فقد كانت عظامه تنزّ دما من كل النواحي. وكان جائعا، مسلوخ الجلد. آلمه وضع الحمار فانصرف إلياس كانيتي والألم يعصر قلبه. وعندما عاد مرة أخرى إلى الساحة، وجد نفسه أمام نفس الحمار، فكتب يقول “لست أدري ما الذي مرّ بذهنه، لكن هذا الكائن المسكين، العجوز الضعيف الذي يبدو على وشك الانهيار، هذا الحمار الذي يعامل بقسوة شديدة، مثل كل الأحمرة في المدينة، هذا الكائن الواهن، مسلوخ الجلد، له من الرغبة ما جعلني وأنا أنظر إليه، أشعر أنه تخلص من بؤسه وشقائه”.

في النص الأخير الذي يبدو كما لو أنه الرمز المركزي للكتاب، يصف لنا كانيتي كتلة من الثياب الداكنة، منها ينبعث أنين متكرر. شيئا فشيئا نتبيّن أن تلك الكتلة ليست غير شحاذ ألقى بجسده هكذا على الأرض، مخفيا إيّاه وسط كومة من الثياب القذرة حتى لا يظهر وجهه، وحركاته. في كلمات قليلة، لكنها مضيئة بالشعر، يشعرنا إلياس كانيني أن تلك الكتلة تتميز بحضور إنسانيّ فريد. وها هو يكتب قائلا “كنت فخورا بأن تلك الكومة من القماش الرمادي تعيش. لم يكن باستطاعتي أن أعرف ما يفكر به وهو يتنفس بصعوبة تحت المارة الآخرين. معنى ندائه ظل بالنسبة إليّ غامضا تماما مثل وجوده. إلاّ أنه كان يعيش، ودائما في الموعد. أبدا لم أره يلتقط القطعة النقدية التي ترمى له. ربما ليست له يد لكي يلتقطها. وربما ليس له لسان ليتلفظ بكلمة ‘الله’. وهكذا تحول اسم الله إلى”آآآآ” بالنسبة إليه. مع ذلك كان يعيش”.

كاتب من تونس

15