"اقتفاء الأثر".. مسرحية تُخضع مكانة الأمومة إلى المساءلة

المسرحية تطرح نظرة مغايرة لعلاقة الأم بطفلها أو طفلتها، من خلال ثلاثة أجيال، جيل الجدة وجيل الأم وجيل الحفيدة.
الاثنين 2018/08/27
أربع نساء وأكثر من حكاية

يواصل مسرح “الهضبة” بالعاصمة الفرنسية باريس بإدارة المسرحي الكندي من أصول لبنانية وجدي معوّض اقتراح أعمال جادة تعالج قضايا راهنة، ومسائل تهم حياة الفرد في المجتمعات الغربية المعاصرة، والعمل هذه المرة مسرحية بعنوان “اقتفاء الأثر” من تأليف ألكسندرا باديا وإخراج آن تيرون

“اقتفاء الأثر” مسرحية مصوغة في شكل رواية بوليسية، تتمحور حول مسار امرأتين، أنّا ذات الخمسين عاما، وهي تاجرة أعمال فنية، تسافر عبر مدن العالم كي تنسى حكايتها، وكلارا الطالبة التي تبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما.

 وتهدف المسرحية التي تعرض حاليا في مسرح “الهضبة” الباريسي، وهي من تأليف ألكسندرا باديا وإخراج آن تيرون إلى وضع مكانة الأمومة موضع مساءلة، أربع نساء لا يلتقين إلاّ زمن لقائهنّ بكلارا، سوف يساعدنها على الانفتاح على العالم، وإلى جانبهنّ أربعة رجال لا يظهرون إلاّ على الشاشة، عبر تواصل كلارا معهم على المواقع الاجتماعية، تلك المواقع التي تجد فيها المرأتان ملاذا، ملاذا لآنّا التي تبتدع هوية جديدة للهروب من ماضيها، وملاذا لكلارا التي تتوسّل بها للبحث عن جذورها.

رزئت البطلة كلارا في والدها، فأيقظ موته جانبا منسيا من ذاكرتها، وهي تبحث عن أثر منه يمكن أن تحتفظ به، عثرت بين أمتعته على محفظة نسوية، بداخلها بضعة أشياء عديمة القيمة، إلى جانب بطاقة اقتراع تحمل اسم أنّا جيراردان أثارت فضولها، فانطلقت تبحث عن هذه المرأة وعلاقتها بوالدها الراحل. ولكن سرعان ما تكتشف أن البحث ليس بالسهولة التي تتصوّر، وأن ثمة في فرنسا وخارجها عدة نساء يحملن الاسم نفسه: أنّا جيراردان.

الأولى تعمل في النهار منشطة في روضة أطفال، وفي الليل تتحوّل إلى مغنية تؤدي وصلات غنائية لرجال عزّل في حانة قرب محطة أرتال، والثانية محامية تتولى الدفاع عن رجل في التسعين اغتال رفيقته الشابة، والثالثة اختارت اعتزال المجتمع والعيش وحيدة في أحد الأرياف، والرابعة عالمة نفس متخصّصة في دقائق السمع والنطق في عيادة ببرلين، وقد همست في أذن كلارا أن شيئا ما بينها وبين أمها انقطع.

في موازاة ذلك، نتابع حكاية امرأة أخرى تتنقل من فندق إلى آخر، من كنشاسا إلى طوكيو، ومن برلين إلى كيغالي، تجوب العالم دون رسوّ، كما تقول، وتؤثّث وحدتها بلقاءات افتراضية مع مجهولين يظهرون على الشاشات من عوالم أخرى، ومناطق زمنية مغايرة.

وبعد عدة تقلبات وأبحاث غير مجدية ودروب مسدودة إلى لقاء نهائي تتضح فيه نقطة مشتركة بينهما تفسر تقريبا كل شيء، ألا وهي مفهوم الأمومة والبنوة، كل من صادفتهنّ كلارا في سعيها المحموم وراء تلك المرأة المجهولة تعيش حياة عادية في ظاهرها، رغم أنها تسند ظهرها إلى جدار يتداعى إلى السقوط، ولن يأتي من وراء ذلك السقوط فرج إلاّ إذا توصلت تلك الشخصيات إلى تغيير رؤيتها للعالم وعلاقتها به.

نظرة مغايرة لمفهوم الأمومة، وعلاقة الأم بطفلها أو طفلتها، من خلال ثلاثة أجيال، جيل الجدة وجيل الأم وجيل الحفيدة

تنطوي هذه المسرحية في الواقع على عدة حكايات، حكاية الطالبة التي تعثر على بطاقة المرأة المجهولة في أمتعة أبيها الراحل، فتهجر أمها ودراستها وتمضي للبحث عن ماضيها المخبأ في قبو، وتجرد بفضل الإنترنت قوائم النساء اللاتي يحملن ذلك الاسم.

وحكاية المرأة الغريبة التي تمارس لعبة التجلي والتخفي، وتجوب العالم لا تعرف لها مستقرا، وحكاية لقاء امرأتين هما المؤلفة ألكسندرا باديا التي فرضت منذ عملها “مسحوقون” تقنية المونولوغ التي يتوخاها أبطال معولمون يفتقرون إلى كل ما يشدهم إلى موضع محدد أو شيء مادي، والمخرجة آن تيرون التي تمارس في الوقت ذاته التأليف المسرحي والإخراج والكتابة الروائية والسيناريو.

والجديد هذه المرة نظرة مغايرة لمفهوم الأمومة، وعلاقة الأم بطفلها أو طفلتها، من خلال ثلاثة أجيال، جيل الجدة وجيل الأم وجيل الحفيدة؛ نظرة تخالف ما سارت به التقاليد ورسخه المراس اليومي عن صورة الأم.

وقد اعتمدت تيرون التقنية السينمائية لتجسيد نص يجمع بين المونولوغ والحوار والسرد في عمليات تقاطع متواصلة، بين شخصيات حية تظهر على الركح، وهي شخصيات نسائية نهضت بأدائها ليزا بلانسار، ونتالي ريشار، وماريفون شيلتز، وجوديت هنري، وبين شخصيات افتراضية لرجال أربعة تظهر وجوهها في مربعات على الشاشة، تقمص أدوارها وجدي معوض، ويانيك شوارا، وأليكس ديكا، ولوران بواترونو، تماهيا مع عصر الشاشة والتواصل الاجتماعي.

وتقول المؤلفة ألكسندرا باديا “لا تعرف المرأة طفلها تمام المعرفة، لذا ينبغي إعادة النظر في طريقة استعمال الأمومة، يعلموننا كيف نغير فوطة الطفل ونعدّ حمّامه، والأجدى تعليمنا كيف نحب أطفالنا دون أن نسعى إلى معرفتهم. لم يكن لنا طوال حياتنا إلاّ أن نحاول تغييرهم، وحملهم على التشبه بنا، وتحقيق ما فشلنا في تحقيقه، أو أن نرغب في أن ينشؤوا مختلفين عنا، لكوننا لا نحتمل رؤية مرآة تخرج من بطوننا”.

في النهاية تحاول ألكسندرا باديا أن تستكشف الكيفية التي يعمل من خلالها المجتمع على تفتت أو انحراف أو التباس العلاقات التي يتعامل بها المرء مع أقاربه وفي حياته الخاصة، ولكن سيطرة أبطال المسرحية على العالم تبقى محدودة وافتراضية، والسبب التقاطع المتكرر بين خطين سرديين، والإسهاب في الشروح العقلانية والأحكام الجاهزة والحوارات الممطوطة، ما يجعل الشخصيات غائمة، غير مقنعة، فاقدة للروح.

16