اقتلاع نظام البشير.. مجرد بداية التغيير في السودان

المحتجون السودانيون متمسكون بتسليم السلطة لإدارة مدنية، وقدرتهم على الصمود ستتعرض لاختبار إذا بدأت الحكومة في القمع.
الاثنين 2019/04/15
الانتفاضة الشعبية في السودان مستمرة

شهد السودان تطورات سريعة متلاحقة خلال فترة وجيزة لا تتجاوز أربعة أشهر أسفرت عن نجاح الحركة الاحتجاجية، التي حملت سمات حركات مماثلة في المنطقة العربية، في الإطاحة بالرئيس عمر حسن البشير من السلطة، بعد ثلاثين عاما قضاها في سدة الحكم، وفيما يتمسك المحتجون بتسليم السلطة لإدارة مدنية، سيحدد تعامل المجلس العسكري الانتقالي بقيادة عبدالفتاح البرهان مصير المطالب الشعبية، ما يضع المستقبل السياسي للسودان أمام جملة من الفرضيات أبرزها: إما تأييد الأجهزة الأمنية لهذا التحول الجديد، وإما تجاهل المحتجين واتخاذ إجراءات صارمة تقوض مطالبهم.

القاهرة  - لا شك أن التاريخ سوف يسجل يوم الحادي عشر من أبريل 2019 باعتباره يوما تاريخيا في حياة السودانيين، الذين استطاعوا بإصرارهم وقوة حجتهم “اقتلاع النظام” والإطاحة برأسه عمر البشير، الذي كان قرار حكومته في ديسمبر من العام الماضي بإلغاء الدعم عن الخبز والوقود القشة التي قصمت ظهر البعير.

فمنذ ذلك اليوم بدأت مظاهرات السودانيين، ولم تهدأ حتى الآن، فقد أدى هذا القرار إلى زيادة معاناتهم واستيائهم من تصرفات النظام، ويعتبر استمرار الاحتجاجات لأكثر من أربعة شهور، أمرا مختلفا عما حدث في عامي 1964 و1985 عندما استمرت الاحتجاجات لأسابيع قليلة فقط من أجل إنهاء الحكم العسكري، كما أن هذه المرة شهدت مشاركة كبيرة من جانب النساء اللاتي مثلن ثلثي عدد المحتجين، وكان لهن ظهور بارز في المظاهرات تجسد في آلاء صلاح، الشابة أيقونة الاحتجاجات التي لفتت بنشاطها المكثف أنظار العالم للسودان.

ورغم إعلان وزير الدفاع السوداني الفريق أول عوض بن عوف، الخميس الماضي، في بيان له عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي برئاسته يدير الحكم في البلاد لمدة عامين، بالإضافة إلى اتخاذه بعض الإجراءات الأخرى لتهدئة المحتجين، أصر المحتجون على موقفهم بضرورة إقصاء كل الوجوه القديمة المحسوبة على النظام، وتسليم السلطة لإدارة مدنية، ما يشير إلى أن الإطاحة بالبشير هي مجرد بداية التغيير في السودان.

وفي ضوء هذا الرفض أعلن بن عوف بعد أقل من يومين استقالته من منصبه، وأعلن اختيار الفريق أول عبدالفتاح البرهان، خلفا له، كما أعلن إعفاء كمال عبدالمعروف، من منصبه نائبا لرئيس المجلس.

حكومة مدنية

Thumbnail

قوبل تنحى بن عوف بفرحة عارمة بين المحتجين، لكن تجمع المهنيين السودانيين، وهو تجمع نقابي غير رسمي، وحلفاؤه في قوى الحرية والتغيير، أعلنوا رفضهم القاطع لرئيس المجلس العسكري الانتقالي الجديد عبدالفتاح البرهان، واعتبار ما تم “مجرد استنساخ للوجوه”.

وأعلن التجمع في بيان له الجمعة عن حزمة مطالب، أكد أنها لا تقبل المساومة أو التلاعب، بينها تنحي النظام ونقل السلطة إلى حكومة مدنية انتقالية فورا.

 بدورهم واصل المتظاهرون، الأحد، ضغطهم من أجل انتقال سريع للسلطة إلى حكومة مدنية، غداة تعهد الفريق الركن عبدالفتاح البرهان “اجتثاث” نظام عمر البشير المخلوع “ورموزه”. وقادت الضغوط الشعبية إلى تأييد المجلس العسكري الانتقالي تولي شخصية “مستقلة” رئاسة حكومة “مدنية”، استجابة على ما يبدو لضغط الشارع من أجل نقل السلطة للمدنيين سريعا.

وحول احتمالات الموقف في السودان ذكر جود ديفيرمونت مدير برنامج أفريقيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن في تقرير أخير له أن الجيش يريد أن يقدم هذا الانتقال للسلطة على أنه أمر واقع، ولكنه في حقيقة الأمر مجرد بداية، وعلى خلاف الوضع في زيمبابوي، حيث شعر المواطنون ببساطة بالارتياح لرؤية الإطاحة بالرئيس روبرت موغابي، أوضح تجمع المهنيين أنه لن يترك الشوارع حتى يترك العسكريون السلطة.

الدول المجاورة للسودان سيكون لها دور في صياغة عملية الانتقال، وإذا رفض رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد مثلا، خطة الجيش الانتقالية، فإنه لن تكون هناك فرصة كبيرة للمجلس العسكري الانتقالي للمناورة

وقال ديفيرمونت، الذي كان كبيرا للمحللين السياسيين لشؤون قضايا منطقة أفريقيا جنوبي الصحراء في وكالة المخابرات المركزية، إن هناك عدة عوامل سوف تقرر ما إذا كان الجيش سوف ينجح في “انقلابه الذي يمثل استمرارية”. وهذه العوامل هي دعم الأجهزة الأمنية للتحول الجديد، وقدرة المحتجين على الصمود، ودور الدول الرئيسية المجاورة للسودان والحلفاء من دول الخليج. فبالنسبة للأجهزة الأمنية، إذا كان انضمام بعض أفرادها إلى المحتجين قد عجل بسقوط البشير، سوف يحدث نفس الشيء في المرحلة القادمة من الفترة الانتقالية، لكن إذا قبل العسكريون، والشرطة، وقوات الدعم السريع والمخابرات خطة المجلس العسكري، فإن بإمكانه تجاهل المحتجين واتخاذ إجراءات صارمة لتفريقهم.

وكانت جماعات حقوقية قد زعمت أن 60 شخصا على الأقل قتلوا حتى الآن، ومع ذلك يعتقد كثير من المراقبين أن الحكومة أظهرت ضبط النفس إلى حد كبير خلال الأشهر الأربعة الماضية.

وفي ما يتعلق بالمحتجين يقول ديفيرمونت، الذي يعمل أيضا محاضرا في كلية إيلتون للشؤون الدولية بجامعة جورج تاون، “إنهم أظهروا قدرة كبيرة على الصمود وربما يزيد رحيل البشير من إصرارهم”. وقد احتفلت جموع السودانيين بانتصارهم، ولكن كما حدث في الجزائر، من المؤكد أن المحتجين سوف يواصلون تصعيد احتجاجاتهم من أجل تحقيق عملية انتقال كاملة.

مع ذلك، فإن قدرة المحتجين على الصمود سوف تتعرض لاختبار، إذا بدأت الحكومة في عملية قمع أكثر وحشية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن شهر رمضان سوف يبدأ في الأسبوع الأول من الشهر القادم، وسوف تؤدي الحرارة المتزايدة إلى زيادة العبء الشخصي والبدني بالنسبة للمحتجين في حالة الإصرار على البقاء في الشوارع.

دور الدول المجاورة

Thumbnail

من ناحية أخرى، ذكر المحلل الأميركي أن الدول المجاورة للسودان سيكون لها دور في صياغة عملية الانتقال، فإثيوبيا والدول الرئيسية الأخرى في المنطقة التزمت الصمت أثناء الاحتجاجات.

وإذا رفض رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، والرئيس الكيني أوهورو كينياتا، والرئيس الأوغندي يوري موسيفيني خطة الجيش الانتقالية، فإنه لن تكون هناك فرصة كبيرة للمجلس العسكري الانتقالي للمناورة.

ومن المعروف أنه في السيناريوهات التي لا يتفق فيها العسكريون والمحتجون على كيفية المضي قدما، تزداد فرص وقوع أعمال عنف وفوضى.

ويقول ديفيرمونت إنه مع ذلك، فإن أفضل سيناريو هو ذلك الذي لا يوجد فيه لدى أي من الجانبين استعداد للتفكير فيه، وهو تشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراطيين وبعض عناصر من القوى المهنية، ونخبة من المثقفين السودانيين. وكان هذا هو جزء من نجاح المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو في عام 2014.

وفي ما يتعلق بدور المجتمع الدولي والولايات المتحدة في التعامل مع الوضع في السودان، يقول المحلل الأميركي إنه يتعين عليهما التعاون مع الجانبين للتوصل إلى حل وسط، وهو ما يتطلب بذل بعض الجهد الدبلوماسي.

ويعتقد جود ديفيرمونت أنه يجب على الولايات المتحدة الأميركية التواصل سرا مع قيادة حركة الاحتجاج، بما في ذلك تجمع المهنيين السودانيين، وإبلاغهم أنه من المفيد أن يكون هناك بعض التوافق بين المجلس العسكري والحزب الحاكم السابق، ولو كان ذلك فقط من أجل الحفاظ على بعض الاستمرارية لمهام الدولة وتحقيق إجماع عام. كما أن تكثيف واشنطن تنسيقها مع دول المنطقة مثل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد سيسمح بالضغط على الجانبين من أجل التوصل إلى حل وسط.

7