اكتساب الإنسانية

الاثنين 2014/09/01

هل يمكن اكتساب الإنسانيّة..؟ ألا يسير الإنسان نحو الوحشيّة يوما بعد يوم..؟ هل بقي إجرام لم يمارسه إنسان القرن الحادي والعشرين بحقّ أخيه الإنسان..؟ لماذا يتستّر الفعل الوحشيّ بأردية مؤدلجة أو متديّنة طالما يتجاوز كلّ النظم والشرائع والأعراف والمقدّسات..؟ وهل هنالك ما هو أكثر قداسة من حياة الإنسان..؟

الوحشيّة التي تتبدّى في سلوكيات الكثيرين من البشر أثناء الحروب، تنذر بأنّ الإنسان يتفوّق على الوحوش الضارية بشراسته وعنفه وتماديه في غيّه، وإلّا ما معنى أن يستلذّ بعضهم بقطع الرؤوس والتباهي بالإجرام والانتشاء به والرقص على الجثث والرؤوس بكثير من الهمجيّة المقزّزة..؟! ثمّ ما معنى أن يبرز بعضهم نفسه وكأنّه المحارب الذي أحرق سفنه الراسية في شواطئ الوحشيّة دون أيّة نيّة بالعودة إلى ذاته وإنسانيّته..؟

مشاهد يوميّة تؤذي القلوب والأعين، تصيب الإنسانيّة في مقتل، تشكّل ذاكرة بصريّة بالغة القسوة، بحيث لا مهرب من مواجهة هذه الصور التي تحيط بالمرء وتصدمه في أيّ تنقّل بين وسائل الإعلام المختلفة، وتفتك بالأمل وتعمّم الإحباط.

لا تكتفي الوحشيّة بارتكاب الفعل الوحشيّ، بل يكون الصمت على الفعل نوعا من المسايرة للفاعل، ونوعا من التواطؤ معه، ويعني، فيما يعني، إقرارا بمشروعيّة الوحشيّة في مواجهة وحشيّة أخرى متنامية متفاقمة مستشرية بدورها. ويكون التأليب ديدن مختلف الأطراف المتناحرة، والتي تجسّد توصيف النحر فعلا لا قولا. بحيث يكون الآخر مكمن الشرور كلّها، ويهدر دمه في سبيل حماية دماء الآخرين، وهكذا بذريعة حقن الدماء تسال الكثير من الدماء، ويظلّ جسد الإنسانيّة نازفا دوما.

حين يعلو قرع طبول الحرب، يخفت صوت التعقّل، ويعود شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”؛ الذي تحايل به الديكتاتور على الشعب عقودا من الزمن إلى الواجهة، ويقصي ما يجب أن يكون لصالح ما يراد أن يكون.

من شدّة بؤس البربريّة المتفاقمة، أنّها بدأت تدرج أيّة دعوات إنسانيّة لوقف الإجرام والاقتتال، في باب الاستسلام، أو الشاعريّة والطوباويّة والمثاليّة، وكأنّ السعي إلى وضع حدّ للوحشيّة نكتة تلقى على مسامع أنصار النفير العام، ممّن استنفروا الاستعداء التاريخيّ من عتماته، وانطلقوا مسعورين إلى ضفافه التي لا رجعة عنها، يصفون الآخر بكلّ الرذائل، ويحيلون الفضائل وعظائم الأمور إلى ذواتهم المتمركزة حول أوهام تعطّل العقل وتؤجّج العنف إلى درجة فقدان الرشد.

تؤكّد الوقائع والتواريخ أنّ من اليسير اكتساب التوحّش والإجرام، لكن يبدو من المشقّة بمكان أن يعود القاتل أدراجه نحو إنسانيّته المفتقدة وذاته المهدورة في مستنقعات الثأر والجنون، إنّها رحلة شاقّة على من فقد بذور المحبّة والسلام والغفران والتسامح في روحه.


كاتب من سوريا

15