اكتشافات الطاقة المصرية تفتح جدل حصة الأجيال المقبلة

ضغوط لإطلاق صناديق استثمارية في النفط والغاز لضمان مستقبل أفضل للأجيال المقبلة.
الأربعاء 2020/02/12
دولارات الغاز ملك للشعب

فتحت اكتشافات الغاز الكبيرة والمتعدّدة قبالة السواحل المصرية في شرق المتوسط، والاكتشافات المتوقعة في البحر الأحمر باب الجدل على مصراعيه حول تأسيس صناديق ثروة سيادية يتم تمويلها من استقطاع نسبة من عائدات صادرات الطاقة، ضمانا لحقوق الأجيال المقبلة.

القاهرة – تدور داخل أروقة صنّاع القرار والأوساط الاقتصادية في مصر أحاديث في هذه الفترة، حول الطرق التي من المفترض أن تتبعها الحكومة لضمان استدامة عائدات الطاقة للأجيال المقبلة.

وهذا الجدل يأتي في ظل مساعي القاهرة إلى الاستفادة أقصى ما يمكن من اكتشفات الغاز والنفط، حيث يتوقع أن تدر على خزينة الدولة مليارات الدولارات خلال السنوات القادمة.

وسجلت القاهرة مع نهاية العام الماضي مستويات قياسية وغير مسبوقة في إنتاج الغاز بلغت نحو 7.2 مليار قدم مكعب، مدفوعة بدخول حقل ظهر في مياه البحر المتوسط مرحلة الإنتاج القصوى.

وبحسب التقديرات الرسمية، يصل حجم احتياطي الغاز في حقل ظهر نحو 30 تريليون متر مكعب. ويبلغ إنتاجه اليومي نحو 2.7 مليار قدم مكعب والذي يعادل 37.5 في المئة من حجم إنتاج مصر، فيما بلغ حجم استثماراته نحو 12 مليار دولار.

وقالت أميرة المازني عضو مجلس إدارة جهاز تنظيم سوق الغاز في تصريحات لـ”العرب”، إن “مصر تمتلك احتياطيات من النفط والغاز في دلتا النيل بنحو 223 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستكشاف”.

ويصل حجم الإنتاج في حقل آتول البحري الذي اكتشفته شركة بريتش بتروليوم (بي.بي) البريطانية نحو 350 مليون قدم مكعب يوميا، فيما تصل احتياطاته المتوقعة نحو 1.5 تريليون قدم مكعب، وسجلت استثماراته نحو 900 مليون دولار.

وتعج منطقة غرب النيل باحتياطات تصل لنحو 5 تريليونات قدم مكعب، ويصل حجم الإنتاج اليومي المتوقع بحقول المنطقة الخمسة توروس وليبرا وجيزة وفيوم وريفن نحو 1.4 تريليون قدم مكعب باستثمارات بلغت 11.3 مليار دولار.

حقوق الأجيال المقبلة في فورة الاكتشافات المتواترة للغاز التي تشهدها مصر تحتاج إلى آلية تضمن استدامة العائدات

ويرى رشاد عبده رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية أنه آن الأوان للحكومة للإقدام على خطوة تأسيس صناديق للاستثمار في قطاع الغاز كأحد الصناديق القطاعية، تزامنا مع فورة الغاز المصرية.

وقال لـ”العرب”، إنه “يمكن بناء رأس مال الصندوق من خلال تجنيب نسب محددة من قيمة عقود الغاز، والاستعانة بالتجارب الدولية في إدارة هذه الصناديق بما يضمن كفاءة العائد على الأموال لحفظ وضمان حقوق الأجيال المقبلة”.

ويمكّن الوضع الحالي القاهرة من استدامة المصادر المالية في قطاع الغاز، فلديها محطتان لإسالة الغاز في إدكو بمحافظة البحيرة شمال البلاد، وأخرى في دمياط شمال شرق البلاد المتاخم لدلتا النيل.

ومن خلال المحطتين، تتمّ إسالة غاز الدول المتاخمة، قبرص وإسرائيل في مصر بهدف تصديره لمختلف المقاصد العالمية.

وبدأ تدفق الغاز الإسرائيلي رسميا لمصر منذ منتصف يناير الماضي بموجب اتفاق تشتري بمقتضاه شركة دولفينوس القابضة المصرية 85 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي بقيمة 19.5 مليار دولار من حقلي ليفيثان وتمار البحريين الإسرائيليين على مدى 15 عاما.

ويعزز الاتفاق خط الأنابيب الذي يمتد تحت البحر المتوسط ويربط إسرائيل بمصر عبر شبه جزيرة سيناء، ويعد المصدر الرئيسي لتصدير الغاز الإسرائيلي للمقاصد الخارجية.

ويعتبر ارتفاع تكلفة تأسيس خط أنبوب إيست ميد لنقل غاز شرق المتوسط إلى أوروبا عبر إيطاليا محفّزا جديدا يزيد من فرص مصر للتحول إلى محور إقليمي لتجارة وتداول الغاز، رغم توقيع قبرص واليونان وإسرائيل مذكرة تأسيس الخط بالأحرف الأولى.

ويصل حجم احتياطي الغاز في أكبر أربعة حقول غاز إسرائيلية نحو 34.6 تريليون قدم مكعب، مقسمة بين نحو 11 تريليون قدم مكعب لحقل تمار و22 تريليون قدم مكعب لحقل ليفيثان 1 و600 مليار قدم مكعب لحقل تنين ونحو تريليون قدم مكعب لحقل كاريش.

وتفضي الإحصاءات إلى أن القاهرة مقبلة على عوائد تمكنها من تدشين صناديق ثروة سيادية أسوة بما شهدته منطقة الخليج منذ فورة الاكتشافات النفطية، والتي أسفرت عن تدشين أول صندوق في الكويت في عام 1979، تلته صناديق عملاقة في كل من الإمارات والسعودية وقطر.

رشاد عبده: يمكن إنشاء صندوق استثماري عبر اقتطاع نسب من عقود الغاز
رشاد عبده: يمكن إنشاء صندوق استثماري عبر اقتطاع نسب من عقود الغاز

ولا يمكن إغفال اكتشافات الغاز في الحقول القبرصية، حيث تم ربط حقل أفروديت القبرصي بمصر، والذي اكتشفته نوبل إنرجي في 2011 ويصل حجم احتياطاته لنحو 4.5 تريليون قدم مكعب بهدف إعادة تصديره للخارج.

وتمتلك قبرص أيضا حقول كاليبسو، والتي اكتشفها تحالف شركتي أيني الإيطالية وتوتال الفرنسية عام 2018 باحتياطي يتراوح بين 4 و5 تريليونات قدم مكعب.

كما اكتشفت شركة إكسون موبيل حقل غلافكوس في فبراير من العام الماضي، باحتياطي يتراوح بين 5 و8 تريليونات قدم مكعب.

وقال طارق الملا وزير البترول والثروة المعدنية المصري لـ”العرب”، إن “منطقة شرق البحر المتوسط نقطة ارتكاز في أسواق الغاز العالمية، بعد فورة اكتشافات الغاز الطبيعي الكبرى، والتي أهلتها لتصبح مركزا عالميا لتجارة الغاز”.

وأوضح أن توقعات استهلاك الطاقة عالميا تشير إلى زيادته بشكل كبير على مدى الخمسين عاما المقبلة في ظل النمو السكاني وزيادة النشاط الصناعي في الدول النامية.

وأشار الملا خلال تصريحاته إلى أن النفط والغاز مستمران في مقدمة مصادر الطاقة بنسبة تصل لنحو 80 في المئة، فيما يعد الغاز الطبيعي أكبر مصدر لاستخدامات الوقود بما يلبّي ربع احتياجات الطلب العالمي بحلول عام 2040.

ويتضاعف الطلب على الغاز الطبيعي في قارة أفريقيا بالتزامن مع زيادة الإمدادات المحلية وتطور اقتصاديات دول القارة.

وتعد منطقة شرق المتوسط حوضا غازيّا عالميا يتمتع باحتياطيات هائلة من الطاقة تمكن الدولة من تحقيق طفرات قياسية في معدلات الإنتاج، والتي من المفترض أن تواكبها فوائض أموال كبيرة.

لكن رغم فورة الاستكشافات هناك عدد من التحديات التي تواجه عمليات الإنتاج منها زيادة المعروض من الغاز في الأسواق العالمية مما أدى إلى تراجع أسعاره.

ويتواكب مع هذا التداخل ارتفاع تكاليف البحث والاستكشاف في المياه العميقة الأمر الذي يجعل أرباح النشاط هامشية.

وقال رئيس لجنة الطاقة في جمعية رجال الأعمال المصريين أسامة جنيدي في تصريحات لـ”العرب”، إن “أفضل استغلال لعائدات الغاز في مصر في الوقت الحالي هو تطوير منظومتي الصحة والتعليم”.

ولفت إلى أن تحسين الخدمات يصب في صالح الأجيال المقبلة، حيث نال تردّي مستوى وجودة الخدمات في قطاعي الصحة والتعليم على مدى ثلاثة عقود من صحة المواطنين وشوّه منظومة تكافؤ الفرص بين مخرجات التعليم وحاجة سوق العمل، الأمر الذي أدى إلى تفاقم مشكلة البطالة في البلاد.

11