اكتشافات جديدة: "ليدي ماكبث" و"الاستثناء"

الأحد 2017/08/06

من الضروري أن نبحث عن الأفلام الجديدة ونكتشف المواهب السينمائية والتمثيلية الجديدة التي تظهر هنا وهناك، بدلا من التجمد أمام الأسماء القديمة التي تكرّر نفسها من فيلم إلى آخر، خاصة لو كانت الأفلام الجديدة تحقق النجاح الفني والجماهيري رغم أن نجاحها لا يوازي نجاح أفلام “البلوكبستر” أي الأفلام ضخمة الإنتاج التي تحقق عادة رواجا تجاريا كبيرا في أسواق التوزيع السينمائي.

من المخرجين الذين بروزا مؤخرا على الساحة مخرجان من بريطانيا، أخرجا للمرة الأولى للسينما، أولهما وليم أولدرويد (37 سنة) الذي قدم فيلمه الأول "ليدي ماكبث" (2017)، والثاني هو ديفيد ليروكس (60 سنة) وفيلمه الروائي الأول "الاستثناء". كلا المخرجين جاء من عالم المسرح إلى السينما وهي نقلة طبيعية تلقي دون شك تأثيرها على أسلوب عمل المخرجين.

في المجتمع الفيكتوري

“ليدي ماكبث” ليس مقتبسا كما يوحي عنوانه عن “ماكبث” شكسبير بل عن الرواية الروسية “ليدي ماكبث من مقاطعة متسنسك” (1865) للكاتب نيكولاي ليسكوف قدمها شوستاكوفيتش في أوبرا عرضت عام 1934، كما سبق اقتباسها للمسرح والسينما. أما فيلمنا هذا فهو ينقل الأحداث إلى الريف الإنكليزي في القرن التاسع عشر، يحافظ على أسماء الشخصيات، ويجعل إنكلترا الفيكتورية بتقاليدها الجامدة إطارا صارما للأحداث، ولا يجعل الشخصية الرئيسية رمزا للشر أو للإغواء بالوقوع في الشر بقدر ما يجعلها ضحية النظام الإقطاعي، كما يصورها رمزا للتمرد الأنثوي والرغبة في التحرر من السيطرة الذكورية.

فيلم "ليدي ماكبث" يتميز بالأسلوب الكلاسيكي لكنه ليس تقليديا بمشاهده الحسية الجريئة أو بإشاراته الواضحة إلى التمرد الأنثوي ورفض الخضوع لاستبداد الرجل

شخصية بطلة الفيلم الشابة “كاثرين” تشبه في بعض ملامحها شخصيات أدبية أخرى مثل ليدي تشاترلي ومدام بوفاري في تعبيرها عن التمرد على قيم المجتمع الفيكتوري عن طريق الجنس. لقد بيعت ضمن صفقة أشمل مع قطعة من الأرض إلى الإقطاعي “بوريس” بعد أن ضاقت السبل بوالدها وشق عليه الاستمرار في الحياة بعد أن تعرضت زراعته للجدب وتجارته للكساد.

“بوريس” يفرض كاثرين زوجة على ابنه “ألكسندر” المتجهّم العابس الذي تكتشف كاثرين من أوّل ليلة لها معه عجزه الجنسي، كما يتم تكرار هذا الأمر، ثم يغيب في مهمة طويلة في المدينة،. يختلط الحرمان الجنسي بالرغبة في الانتقام الطبقي فتقيم كاثرين علاقة جنسية مع خادم ملوّن وتعاشره داخل غرفتها كل ليلة تحت سمع وبصر خادمتها السوداء “آنا” التي تتبعها ككلبة مخلصة لا يمكنها التمرد على سيدتها، ليس بدافع الخوف بل تعاطفا مع تمردها الجريء الذي يعوض شعورها بالضعف والدونية.

كاثرين هي بذرة الإغواء.. فهي تغوي “سباستيان” الذي يقع تحت سطوتها ويصبح مستعدا لمشاركتها الجريمة على غرار ما نعرفه من رواية “ساعي البريد يدق دائما مرتين”. أولا يتخلص الاثنان من الأب-السيد الإقطاعي بعد اكتشافه علاقة الاثنين، مما يجعله يحكم عليها بالبقاء سجينة داخل القصر. يموت بوريس فجأة دون أن نعرف السبب، لكن يتضح فيما بعد أنه مات مسموما. أما الابن-الزوج “ألكسندر” فيعود بعد أن يكون قد علم من والده حقيقة خيانة زوجته الشابة لكنه لا يريد أن يطلق سراحها فهو يعتبرها مثل أيّ قطعة أثاث في منزله. ومع إصرار كاثرين على مواصلة علاقتها بالخادم تنشب مشاجرة يلقى خلالها الزوج مصرعه. بعد الجريمة يأتي الطريق إلى العقاب.. لكن الدهاء والحيلة والإصرار وقوة الشكيمة تؤدي إلى أن يدفع سباستيان وحده مع الخادمة المخلصة آنا الثمن، وانتصار الزوجة التي أصبحت الآن المالكة الجديدة للضيعة والمنزل.

يتميز الفيلم بالأسلوب الكلاسيكي لكنه ليس تقليديا بمشاهده الحسية الجريئة أو بإشاراته الواضحة إلى التمرد الأنثوي ورفض الخضوع لاستبداد الرجل وتصوير العجز الجنسي كمرادف لشيخوخة الطبقة الإقطاعية واستخدام معادلة الحب الحر في مواجهة الزواج القهري كنوع من رفض القيم البطريركية في إنكلترا الفيكتورية.

الألماني الاستثنائي في حقبة هتلر

عناصر فنية

أهم العناصر الفنية هو التصوير (مديرة التصوير هي الأسترالية أري ويغنر) الذي يضفي صورة خاصة شديدة الجاذبية رغم الإضاءة التي تضفي قتامة على الصورة، وتبرز جمال الطبيعة في الكثير من المناظر، مع إحاطة مشاهد الطبيعة، الغابة، الأشجار، الجبال الخضراء، مصبات المياه بالضباب، تخيم عليها السحب الداكنة التي تنذر بمصائر الشخصيات. وفي المشاهد الداخلية تبدو معالم القصر بردهاته الضيقة الطويلة، وإضاءته الشاحبة، معادلا بصريا للسجن. ويبرز الفستان الأزرق الواسع الذي ترتديه كاثرين بلونه الصريح وسط الألوان الداكنة المحيطة علامة على الرغبة في التحرر والانطلاق والإفلات من الأجواء القاتمة. وبوجه عام تلعب الصورة: تكوين اللقطات، زوايا التصوير، حركة الكاميرا التي تتحرك في اضطراب في بعض المشاهد الخارجية الليلية، دورا بارزا في تعميق وتكثيف العلاقات بين الشخصيات.

أما العنصر الثاني فيتمثل في الأداء المبهر الواثق للممثلة الجديدة فلورنس بيو في أول أدوارها السينمائية. إن أداءها يصمد مع أداء كبار الممثلين، وهو أداء خافت لا يميل للاستعراض أو الإفصاح بقدر ما تكتفي حينا بالنظرات أو الابتسامة الشاحبة الساخرة من جانب وجهها، ثم تبدو أكثر إفصاحا في مشهد السكر حيث تنطلق وهي تخاطب طاقم الخدم بالتعليمات الجديدة، ثم في المشاهد الحميمية مع الخادم.

الفيلم الثاني “الاستثناء” يبدو أكثر طموحا وفيه بعض الملامح من “ليدي ماكبث” الشكسبيرية. وهو مقتبس عن رواية “قبلة القيصر الأخيرة” (2003) للكاتب البريطاني آلان جود. وفي قلب الفيلم شخصية القيصر الألماني فردريك فيلهلم الثاني آخر قياصرة ألمانيا الذي غادر بلاده بعد الهزيمة التي مني بها جيشه في الحرب العالمية الأولى ولجأ إلى هولندا، وأصبح يقيم في قصر بالريف بصحبة زوجته ومرافقه الشخصي، يتلقى منحة مالية من الحكومة الألمانية حرص هتلر على استمرارها.

نحن في عام 1940 أي بعد غزو بولندا. يبدأ الفيلم بلقطة طفلة جميلة ممددة على الأرض تبدو وقد فارقت الحياة، سنعرف فيما بعد أنها كانت ضمن مذبحة ارتكبها رجال القوات الخاصة الألمانية في بولندا. ثم نرى الضابط الألماني الشاب “برانت” الذي يوفد من برلين إلى هولندا لقيادة حراس القيصر. وفي المشهد الثاني من يقول له رئيسه الجنرال “أنت محظوظ بعد كل ما فعلته في بولندا مع ضباط القوات الخاصة.. لقد نجوت من المحاكمة العسكرية”. أي أننا منذ البداية أمام ضابط ألماني غير عادي أو “استثنائي”.

أداء الممثل المخضرم كريستوفر بلامر لدور القيصر يضفي عليه الكثير من الملامح الإنسانية المحببة التي تجعله شخصية من لحم ودم

موضوع اليهود

أما الشخصية الثانية فهي الخادمة الحسناء “ميكا” التي تعمل في منزل القيصر وسنعرف فيما بعد أنها يهودية فقدت زوجها ووالدها على أيدي النازيين وجاءت تسعى للانتقام لكنها أيضا عميلة للمخابرات البريطانية تتعاون مع قس في البلدة القريبة على صلة بالبريطانيين ومكلف بمراقبة القيصر ثم إقناعه بالفرار إلى بريطانيا بطلب من تشرشل.

يقع برانت في غرام ميكا، ويرتبط الاثنان بعلاقة جنسية سرية، تترد هي على مسكنه ثم يصبح الأمر أسهل بعد أن ينتقل للإقامة في القصر تنفيذا للتعليمات التي تقضي بتشديد الرقابة على القيصر بعد علم مخابرات هتلر بوجود عميل سرّي قريب من القيصر مما يدفعهم إلى إرسال بعض رجال الغستابو بقيادة ضابط فظ.

العلاقة بين برانت وميكا منسوجة ببراعة بعيدا عن النمطية، فرغم سخونة هذه العلاقة التي بدأتها بشكل يبدو متعمدا من البداية من جانب ميكا، فالعلاقة تنتقل من الرغبة إلى الحب، وتنشأ عنها ثقة بين الاثنين، لكن تظل هناك مساحة ما من الشك، تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت “ميكا” تفتعل الحب لخدمة أغراضها الخاصة، خاصة أنها تخطط لاغتيال وزير الرعب هاينريش هملر الذي أعلن عن قيامه بزيارة القيصر. ويدور تساؤل آخر حول ما إذا كان برانت يستغل ميكا جنسيا، بينما يكنّ لها الاحتقار بسبب يهوديتها ويمكنه أن يشي بها في أيّ لحظة.

كريستوفر بلامر وليلي جيمس بطلا 'الاستثناء'

الشخصية التي تكتسب ملامح أقرب إلى “ليدي ماكبث” في الفيلم هي زوجة القيصر الأميرة هيرمين التي تغذّي طول الوقت الرغبة لدى زوجها وتمنّي نفسها باستعادة المجد القديم، أي العودة إلى السلطة في ألمانيا. إنها تمارس ضغوطا على القيصر للتخفيف من لهجته التي تكشف احتقاره للنازيين بسبب أصولهم الوضيعة وتشجعه على أن يتحدث بشكل إيجابي عن هتلر، تأمل أن تكون زيارة هملر تمهيدا لعودتهما إلى برلين، بل تقوم برشوة هملر بتقديم مبلغ مالي ضخم. ويقبل هملر الرشوة ثم يختفي داخل غرفته مع عشيقته التي أحضرها معه، وعلى الغذاء يتحدث بصورة مبالغ فيها عن التجارب التي يجريها الأطباء النازيون على الأطفال اليهود بحقنهم بمادة الفينول في القلب مباشرة، ثم يخبر مضيفيه بأن هتلر يريد عودة القيصر كرمز للدولة ثم يكشف في مشهد آخر لبرانت وضابط الغستابو أن الأمر ليس سوى خدعة لكشف مؤيدي القيصر داخل ألمانيا.

تشويق وسلاسة

ينتقل الفيلم بين شخصياته المتعددة في توازن دقيق ويجسد تصاعد الأحداث في براعة وسلاسة بأسلوب أفلام التشويق والإثارة في سياق ميلودراما عاطفية. إنه يروي قصة حب مستحيل بين النقيضين، اليهودية والألماني. هي مخلصة لقضيتها تسعى للانتقام عن طريق اغتيال هملر ثم إقناع القيصر باللجوء إلى بريطانيا، أما هو فيدرك كضابط ألماني مقتضيات واجبه العسكري وولاءه لوطنه، لكنه في الوقت نفسه يرفض الممارسات التي يقوم بها الغستابو. تقول له ميكا إنه “الاستثناء” وهم القاعدة. وهو واقع في أزمة بين الولاء للوطن، والإخلاص للحب.

رغم بعض المبالغات في تصوير عواقب العاطفة المشبوبة وما يمكن أن تؤدي إليه إلا أننا أمام عمل رصين متماسك، مؤثر، يستند إلى الكثير من الحقائق التاريخية دون أن ينغمس في محاضرة تاريخية مملة، بل يطعم الخلفية التاريخية بكثير من الخيال الجميل ويقدم شخصياته في سياقاتها الطبيعية الإنسانية. فالقيصر مثلا رغم كراهيته المعلنة لليهود الذين يعتبرهم مسؤولين عن هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى إلا أنه شخصية رقيقة، عاطفية، تميل للبعد عن المشاكل بل ويستبعد أيضا طموحات زوجته، مفضلا تغذية البط وملاطفة “ميكا”، وبعد اكتشاف زوجته العلاقة بين برانت وميكا، يبدي تفهمه لهما بل وينصحهما بالتكتم والحذر في المرات القادمة!

ولا شك أن أداء الممثل المخضرم كريستوفر بلامر لدور القيصر يضفي عليه الكثير من الملامح الإنسانية المحببة التي تجعله شخصية من لحم ودم، تتمتع بخفة الظل والكاريزما الخاصة وقوة الشخصية، مع مسحة واضحة من المزاجية والانتقال من الهدوء إلى الانفعال الشديد، فيما لو ذكّره أحد بما جرى في الحرب العالمية الأولى. أما الشخصية الأكثر حضورا في الفيلم بأسره فهي الممثلة الصاعدة ليلي جيمس في دور “ميكا” التي تبرع في أداء الدور وتحوطه بسحر خاص، مع الاستخدام البارع من جانب المخرج لوجهها وتعبيرات عينيها في اللقطات القريبة.

الفيلمان ليسا من “الأفلام الكبيرة” فكلاهما من إنتاج “معهد الفيلم البريطاني” بميزانيات محدودة، ولكنهما يصمدان في “شباك التذاكر” ويثبتان أن الموهبة وأصالة الموضوع وجاذبيته يمكنهما تحقيق النجاح، وكلاهما درس في كتابة سيناريو جيد عن أصول أدبية.

ناقد سينمائي من مصر

16