اكتشاف الجهل

الخميس 2016/08/25

الاكتشاف العظيم الذي أطلق عنان الثورة العلمية في القرن السادس عشر هو اكتشاف الجهل، اكتشاف أن البشر لا يعرفون الإجابات على أهم الأسئلة التي تواجههم.

يقول عالم التاريخ يوفال نواه هراري في كتابه "سيبيانز، تاريخ موجز للبشرية" إن “الثورة العلمية لم تكن ثورة في المعرفة، فقبل كل شيء كانت ثورة في الجهل”. فقبل الثورة العلمية كان هناك اعتقاد سائد عند كل ثقافات العالم القديم، بأن كل ما هو مهم وكل ما تجب معرفته عن العالم كان معروفا، وأن القدماء كانوا يملكون حكمة ومعرفة شاملة عن كل شيء، فإن أردت أن تحصل على الحكمة والمعرفة عليك أن تدرس آثار القدماء وأقوالهم ومخطوطاتهم القديمة.

وحتى مجيء الثورة العلمية في القرن السادس عشر فإن أغلب البشر لم يسعوا إلى التقدم، بل كانوا يؤمنون بأن العصور الذهبية قد مضت، وكانوا على قناعة بأن العالم يمرّ بحالة من الركود إن لم يكن يعاني من التراجع.

مع أن السعي إلى المعرفة لم يكن جديدا، فمنذ فجر ثورة الوعي حوالي 250 ألف عام والبشر يحاولون فهم العالم واكتشاف القوانين التي تحكم الطبيعة والنجوم وكل ما يحيط بهم، استمرّ هذا حتى ما قبل القرن السادس عشر حين وصل الناس إلى قناعة بأن كل ما يستحق المعرفة أصبح معلوما، وعدا ذلك لا يستحق البحث، ولولا هذا لما أهمله القدماء.

هناك فروق ثلاثة كبيرة بين المحاولات المعرفية السابقة للبشر والعلم الحديث الذي جاءت به الثورة العلمية، الفرق الأول هو استعداد العلماء المعاصرين للاعتراف بالجهل، العلم المعاصر مبني على فرضية أننا لا نعرف كل شيء، على عكس ما كان سائدا في الماضي، والفرق الثاني بين نظم الماضي المعرفية والعلم المعاصر هو الاعتقاد بأن كل ما نعرفه يمكن أن يتم إثبات خطئه في المستقبل كلما تطوّر العلم، والفرق الثالث هو الإيمان بأنه لا يوجد أي مفهوم أو فكرة مطلقة أو نظرية مقدسة ليست قابلة لتحدّي العلم.

إبّان الثورة العلمية لم تكن هناك فروق كبيرة في القوة العسكرية أو المالية أو حتى التكنولوجية بين القوى الأوروبية في ذلك الوقت ونظيرتها الآسيوية مثل الإمبراطورية العثمانية والصفوية في إيران والمنغولية في الهند، فما الذي حصل لكي تتمكن القوى الأوروبية، وفي غضون قرن، من استعمار العالم؟

كان اكتشاف الجهل الذي توصل إليه الأوروبيون في حين بقيت القوى الأخرى تعيش في وهم أنها تعرف كل ما يستحق المعرفة.

هذا الاكتشاف العظيم صهر ثلاث طاقات هائلة في بوتقة واحدة، العلم والسياسة والاقتصاد، هذا هو ثالوث العظمة المعاصر الذي يغذّي كل ركن فيه باقي الأركان، قلب هذا الثالوث ومحركه مازال الجهل، القناعة بأننا مازلنا نجهل الكثير.

24