اكتشاف الدليل الأول على أقدم وجود للإنسان في شبه الجزيرة العربية

فريق سعودي دولي يعثر على آثار أقدام بشرية لأشخاص في شمال المملكة وآثار لحوافر جمال وفيلة وحيوانات إضافة إلى 233 أحفورة تُمثل بقايا عظمية للفيلة والمها.
الجمعة 2020/09/18
آثار المملكة العربية السعودية تبوح بأسرار أقدم إنسان مر بها

كشف فريق سعودي دولي عن اكتشاف آثار أقدام بشرية وحوافر حيوانات مفترسة تعود إلى 120 ألف عام في شمال السعودية، وهو ما قد يقدم وفق الباحثين لمحة نادرة عن أقدم وجود للإنسان في شبه الجزيرة العربية.

تبوك (السعودية)- أعلن الرئيس التنفيذي لهيئة التراث جاسر بن سليمان الحربش عن اكتشاف فريق سعودي دولي مشترك لآثار أقدام لبشر وفيلة وحيوانات مفترسة حول بحيرة قديمة جافة على أطراف منطقة تبوك يعود تاريخها إلى أكثر من 120 ألف سنة من الآن.

ويشكّل هذا الاكتشاف الذي يوفر معلومات جديدة عن الطرق التي سلكها الأسلاف مع تمدد الإنسان إلى خارج القارة الأفريقية، بحسب الحربش “الدليل الأول على أقدم وجود للإنسان” في شبه الجزيرة العربية. كما أنه يقدم لمحة نادرة عن بيئة الأحياء أثناء انتقال الإنسان لهذه البقعة من العالم.

ووفقا لوكالة الأنباء السعودية (واس)، أكد الحربش أن نتائج المسح الأثري تشير إلى العثور على آثار أقدام بشرية لسبعة أشخاص، وآثار لحوافر جمال وفيلة، وحيوانات من فصيلتي الوعول والبقريات، إضافة إلى حوالي 233 أحفورة، تُمثل بقايا عظمية للفيلة والمها.

وعرض الباحثون تفاصيل المشهد المكتشف في الموقع، حيث يبدو أن مجموعة من الأسلاف من جنس الإنسان العاقل توقفوا لشرب الماء والبحث عن العلف عند بحيرة ضحلة كانت ترتادها أيضا الجمال والجواميس والفيلة بحجم أكبر من أي جنس موجود في العالم حاليا.

وكشف الباحثون في دراسة نشرت نتائجها مجلة “ساينس أدفانسز”، أن هؤلاء البشر قد يكونون اصطادوا الحيوانات الضخمة لكنهم لم يبقوا طويلا في الموقع الذي استخدموه نقطة للتزود بالمياه للصمود في رحلة أطول.وتضم منطقة شبه الجزيرة العربية حاليا صحارى شاسعة وجافة ما كانت لتشكل موقعا ملائما للعيش لأسلاف البشر والحيوانات التي كانوا يصطادونها.

اكتشاف مهم
اكتشاف مهم

غير أن البحث الذي أجري على مدى العقد الماضي أظهر أن الوضع لم يكن كذلك على الدوام، إذ كانت المنطقة تضم مساحات خضراء مع رطوبة أكبر خلال آخر حقبة تعرف بفترة ما بين الجليدين.

وأوضح ريتشارد كلارك ويلسون، الباحث في جامعة رويال هولواي الإنجليزية وهو أحد معدي الدراسة، “خلال فترات معينة في الماضي، كانت الصحارى التي تهيمن على المشهد الداخلي في شبه الجزيرة العربية تتحول إلى مراع خضراء شاسعة فيها تزود دائم بمياه البحيرات والأنهار”.

وقال المشرف الرئيسي على الدراسة ماثيو ستيوارت من معهد ماكس بلانك للبيئة الكيميائية، إن آثار الأقدام اكتُشفت خلال عمله الميداني المرتبط بتحصيله الأكاديمي لنيل شهادة الدكتوراه سنة 2017، إثر تآكل الرواسب العلوية عند بحيرة قديمة تسمى بحيرة الأثر.

وأضاف “آثار الأقدام تشكّل دليلا متحجرا فريدا لكونها تزود بلمحة عن لحظة محددة من الزمن عبر تصويرها ما كان يحصل خلال ساعات أو أيام، وهو ما لا نحصل عليه عموما بالاعتماد على بيانات أخرى”.

وجرى تأريخ الآثار عن طريق تقنية تقوم على الإضاءة على حبيبات الكوارتز وقياس كمية الطاقة المنبعثة منها.

وفي المجموع، صنف سبعة من أصل المئات من الآثار المكتشفة على أنها لأسلاف من أشباه البشر، بما فيها أربعة آثار جرى تفسيرها على أنها لشخصين أو ثلاثة كانوا يسافرون سويا، نظرا إلى تطابق وجهتها والمسافات الفاصلة بينها والفروق في الحجم.

ويرى الباحثون أن هذه الآثار تعود إلى بشر معاصرين لناحية صفاتهم التشريحية، خلافا لإنسان نياندرتال، على قاعدة أن أسلافنا المنقرضين لا يُعرف عن وجودهم في منطقة الشرق الأوسط في تلك الحقبة، وبالاستناد إلى التقديرات بشأن وضعية الوقوف والوزن المرتبطة بآثار الأقدام.

ولفت ستيوارت “ندرك أن البشر كانوا يزورون البحيرة في الوقت نفسه لارتياد الحيوانات لها، كذلك لا وجود لأدوات حجرية في أمر غير اعتيادي لهذه المنطقة”.

وتابع “يبدو أن هؤلاء الأشخاص كانوا يزورون البحيرة طلبا للموارد المائية وللعلف في الوقت عينه لمجيء الحيوانات”، وكانوا يقصدون على الأرجح المكان لاصطياد الحيوانات أيضا.

الاكتشاف يوفر معلومات جديدة عن الطرق التي سلكها الأسلاف مع تمدد الإنسان إلى خارج القارة الأفريقية

كما أن الفيلة التي باتت منقرضة في منطقة المشرق منذ حوالي 400 ألف سنة، شكلت طريدة محببة لهؤلاء الأسلاف، فيما يدفع وجودها أيضا إلى الاعتقاد بوجود موارد مائية ونباتية كثيرة أخرى في الموقع.

وعثر إضافة إلى آثار الأقدام، على 233 متحجرة، ويبدو أن الحيوانات اللاحمة كانت تظهر اهتماما بتلك العاشبة في بحيرة الأثر، على غرار ما نشهده في غابات السافانا الأفريقية في أيامنا هذه.

ومن المعلوم أن البشر الأوائل تمددوا إلى أوراسيا عن طريق جنوب اليونان والمشرق، مستغلين الموارد الساحلية على طريقهم، غير أن البحث الجديد يظهر وجود “طرق داخلية سُلكت تبعا لمناطق انتشار البحيرات والأنهار، ربما كانت تكتسي أهمية خاصة”.

وأوضح المعد الرئيسي للدراسة مايكل بتراليا من معهد ماكس بلانك لعلم التاريخ البشري أن “وجود حيوانات ضخمة كالفيلة ووحيد القرن، في موقع واحد يضم مراعي شاسعة وموارد مائية كبيرة، جعل ربما شمال شبه الجزيرة العربية منطقة ذات جاذبية خاصة للبشر خلال ترحالهم بين أفريقيا وأوراسيا”.

واعتبر الحربش أن الاكتشاف الذي وصفه بأنه “جديد ومهم”، ”يعكس عمق تاريخ” هذه المنطقة “ومدى إسهاماتها الحضارية في التاريخ”.

ولفت إلى أن هيئة التراث تعمل على تأهيل المواقع الأثرية وفتحها للزوار، إلى جانب تنظيم معارض متخصصة بالآثار داخل وخارج المملكة، وإعداد ونشر بحوث ودراسات متخصصة في الآثار، تشتمل على الأنشطة التعريفية والتوعوية، وذلك في سياق جهود الهيئة لإبراز التراث الوطني والاحتفاء به محليا ودوليا.

24