اكتشاف الطاقة في شرق المتوسط بين فرضيتي الصراع والتعاون

الاثنين 2014/09/22
آفاق التعاون في مجال الطاقة تضيف بعدا جديدا إلى النزاعات الدولية بالمنطقة

واشنطن - لئن حملت الاكتشافات الأخيرة لموارد طاقة جديدة في شرق البحر الأبيض المتوسط بشائر خير لدول المنطقة وأماطت اللثام عن بوادر تعاون جديد في ما بينها، فقد أضحت تُنبئ في وجه آخر من وجوهها بإمكانية اندلاع صراع حول هذه الموارد، حسب دراسة للباحث ليونيس غريغوريادس، صدرت عن مجلس سياسات الشرق الأوسط (MEP).

غيّر اكتشاف كميات كبيرة من النفط واحتياطيات من الغاز الطبيعي في منطقة الشرق الأوسط، في بداية القرن العشرين، مصير المنطقة. فقد أصبح الشرق الأوسط منطقة مركزية للتنافس الاستراتيجي الدولي، بعد أن كان معزولا تماما عن السياسة الدولية. وبعد مرور نحو قرن من الزمن، ليس من المرجح أن تُحدث الاكتشافات الجديدة للطاقة في شرق البحر المتوسط مثل تلك التحولات المحورية في كنف الثروات الإستراتيجية لبلاد الشام، ومع ذلك فقد ولّدت موجة جديدة من الاهتمام بشأن تأثيرها المحتمل على النزاعات الإقليمية القائمة وتشكيلات القوى.

ساهم الاكتشاف الأخير لكميات كبيرة من الغاز الطبيعي في قاع البحر الذي يفصل بين إسرائيل وقبرص في مزيد تعقيد السياسة الدولية في المنطقة. ومن المتوقع أن تكون إسرائيل وقبرص أول المستفيدين من هذا الاكتشاف، بحكم توقيعهما لعقود هامة حول مشاريع تنقيب وحفر سوف تحولهما قريبا إلى مصدّرتين للطاقة الصافية. وقد أحيَت إمكانية اكتشاف المزيد من احتياطيات الطاقة تساؤلات حول مسألة تحديد المناطق الاقتصادية الخالصة في جميع الدول التي تفتح على البحر المتوسط من جهة الشرق، مُثيرة بذلك موضوع نزاع إقليمي محتمل.

وفي هذا الإطار، لعبت تركيا دورا هاما على هذا المستوى، ليس فقط بحكمها إحدى الدول التي تطل على البحر الأبيض وبلدا مستوردا لكميات كبيرة من الطاقة، بل أيضا بحكم قدرتها على لعب دور المحور الناقل من خلال إيصال المواد الهيدروكربونية المُستخرجة إلى الأسواق العالمية. مع ذلك، يواجه مشروع التعاون الإقليمي الجديد عدة عراقيل على غرار مسألة قبرص، والخلافات بشأن تعيين حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة، والعلاقات بين تركيا وإسرائيل، على الرغم من آثاره الإيجابية المُنتظرة، ليس أقلها على أمن الطاقة الأوروبية.

من شأن هذا الاكتشاف أن يدفع بعض الجهات الفاعلة إلى اتخاذ مواقف أكثر تصلبا في الصراعات الثنائية. ومن جهة أخرى، قد يساهم كذلك في ظهور تآزر اقتصادي يلغي النزاعات القائمة. كما أنّ آفاق التعاون في مجال الطاقة تضيف بعدا جديدا إلى النزاعات الدولية القديمة بالمنطقة، ويمكن اعتبارها نقطة انطلاق لمزيد من التعاون.

وفي هذا الإطار، يشير الباحث ليونيس غريغوريادس، إلى أنّ دراسات عدّة تسعى إلى إثبات أنّ إدراج العديد من الجهات الفاعلة الدولية (بمعنى إضفاء طابع متعدد الأطراف إلى مشروع تسييل موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، سواء على مستوى العرض أوالطلب) من شأنه أن يجعل التركيز على المكاسب النسبية يؤدي إلى نتائج عكسية. إذ يمكن أن يؤدي في نهاية المطاف إلى تكوين مصالح وطنية أقرب إلى منهج “المكاسب المطلقة”.

من جهة اخرى عرفت منطقة شاطئ البحر الأبيض المتوسط، منذ عقود مضت، بعض الاكتشافات المتواضعة التي لم يكن لها سوى تأثير طفيف على الاكتفاء الذاتي للطاقة في إسرائيل التي ظلت تعتمد على مصر لإمدادها بالطاقة. وفي حين كانت العلاقات الإسرائيلية-المصرية عموما جيّدة منذ اتفاقات كامب ديفيد، عام 1978، شكّل تغيير النظام في مصر تحديا وخطرا هائلين للأمن الإسرائيلي. فقد انقطعت إمدادات الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، في عدّة مناسبات، بسبب أعمال التخريب داخل مصر، خاصة في أعقاب انهيار نظام مبارك في 2011.

وقد تراجعت هذه المخاوف مع اكتشاف حقل الغاز الطبيعي “تمار” عام 2009، وحقل الغاز الطبيعي “ليفياتان” عام 2010، ضمن “المنطقة الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية”. وأثّر كل من الاكتشافين بشكل كبير على موازين القوى بالمنطقة، من حيث قدرتها على تحويل توليد الكهرباء الإسرائيلية، والحد من الاعتماد على النفط الخام، وتحويل إسرائيل من مستورد صاف للطاقة إلى مصدر صاف محتمل. وقد سلّط هذا التغيير الضوء على إمكانات الطاقة الكامنة في الحوض الشرقي ككل، بما في ذلك قبرص ولبنان وسوريا وفلسطين، وكان سببا في تكثيف عمليات حفر استكشافية إضافية.

من جهة أخرى، يشير الباحث إلى أنّ اكتشاف شركة “الطاقة النبيلة” (وهي شركة تعمل في إسرائيل) لحقل الغاز الطبيعي “أفروديت” عام 2011، داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، أدّى إلى اجتذاب اهتمام عالمي واسع. وفي هذا السياق، يخلص الباحث ، إلى أنّه من المفترض أن يعزز إدراج عدد كبير من المستثمرين الدوليين في عمليات الاستكشاف والاستخراج السلامة السياسية للمشروع. حيث أنه ورغم معارضة تركيا وتهديدها بشأن وضع الشركات التي شاركت في المناقصة العامة القبرصية في القائمة السوداء، فقد شهدت المناقصة مشاركة شركات طاقة دولية رئيسية -مثل أيني وتوتال- فازت بالعطاءات.

7