اكتشاف المادة المظلمة يخترق أعتى أسرار الكون

الجمعة 2015/04/24
المادة المعتمة تشكل 85 بالمئة من الكون مما أضفى حيرة على تصور العلماء للعالم

جنيف - تمكّن مرصد الفضاء الأوروبي من التقاط إشارة يعتقد أنّها أوّل اكتشاف يحمل بصمة ما يسمّى المادة المظلمة أو المعتّمة، وهو ما يعدّ اختراقا تاريخيا في فهم الكون الذي تمثل هذه المادة 85 بالمئة من حجمه، لا سيّما أنّها تفسر قوّة الجاذبية التي تجنّب ارتطام المجرّات بعضها ببعض وتحافظ على تحليقها في تناسق كلّا على حدة..

أعرب علماء مركز بحوث الفيزياء بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) عن حيرتهم بشأن كيفيّة تفسير بيانات تلقّوها مؤخرا، تشير إلى وجود ما اصطلح على تسميته بالمادة المظلمة، متسائلين عن دواعي الانقلاب المنطقي لتصوّرهم عن الكوكب.

وكان مطياف ألفا المغناطيسي (ايه.إم.إس) الفضائي، الذي يتضمّن مجسّات ويعادل حجم حافلة صغيرة، قد أرسل إلى الفضاء ليلفّ حول الأرض كلّ 91 دقيقة، بهدف جمع بيانات بشأن المادة المعتّمة التي لم يسبق التأكّد من وجودها أصلا.

ويهدف مطياف ألفا المغناطيسي (ايه.إم.إس)، المثبّت في محطة الفضاء الدولية ووزنه 7.5 طن، إلى تتبع ذرّات من الفضاء الخارجي، بحثا عن أدلة بشأن “المادة المظلمة” التي لم يشاهدها أحد قط، لكن يعتقد أنّها متوفرة في الكون بما يعادل خمسة أمثال المادة المرئية.

وقال ستيفان شايل، الأستاذ في جامعة أر.دبليو.تي.اتش آيشن، إنّ “ايه.إم.إس هو كاميرا تلتقط صورا للأشعة الكونية.. تلتقط ألف صورة في الثانية”.

وتعطي الكاميرا الفضائية منظورا جديدا للنتائج التي جمعت عن كوكب الأرض في لارج هاردون كوليدور (إل.اتش.سي) التابع لمركز بحوث الفيزياء بالمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) قرب جنيف. فالبيانات التي ترسلها الكاميرا وتلك الموجودة في المركز لا تتفقان. وقال شايل “في إل.اتش.سي وجدنا ما توقعنا تماما. وفي ايه.إم.إس وجدنا فقط كل ما لم نتوقعه”.

وقال شايل في مركز سيرن إن مطياف ألفا المغناطيسي رصد الكثير من الذرات المضادة مثل جسيم البوزتورن وبروتونات مضادة آتية من الفضاء وهو ما يمكن أن يكون “بصمة” للمادة المظلمة.

وأضاف “دعونا الخبراء من شتى بقاع العالم للنظر إلى هذه البيانات ومقارنتها بنظرياتهم، ولم يستطع أحد منهم أن يصف بدقة ما نراه وهو ما يعني أن كل المسارات المختلفة ينقصها شيء ما”.

سامويل تينج: هناك العديد من التفسيرات، وسنسد هذه الثغرة تدريجيا

في المقابل، فإنّ سامويل تينج، الفائز بجائزة نوبل الذي قاد تجربة مطياف ألفا المغناطيسي وأقنع الكونجرس الأميركي بإرسال المطياف إلى محطة الفضاء الدولية عام 2011، بدأ مستمتعا بالطلاسم التي تمخضت عنها النتائج.

وقال “كل شيء جيد حتى الآن. هناك العديد والعديد من التفسيرات. البعض يظن أنها المادة المظلمة هناك 350 بحثا في هذا الصدد والبعض يقول لا إنها آلية تسارع جديدة. والبعض يظن أن هذه بقايا انفجار نجمي.. في نهاية المطاف وبمساعدة المنظرين سنسد هذه الثغرة تدريجيا”.

وتمكّن العلماء، مؤخّرا لأول مرّة، من رؤية المادة المظلمة وهي تتفاعل مع محيطها بقوى خارج إطار تأثير قوى الجاذبية.

الاكتشاف حصل عندما رصد الفلكيون تصادم أربع مجرّات عملاقة بعيدة، حيث لوحظ أن حركة المادة المظلمة المحيطة بواحدة من تلك المجرات كانت متباطئة نتيجة التصادم بمسافة تصل إلى خمسة آلاف سنة ضوئية. وإن كان هذا التباطؤ متوقعا نظريا، فإنه لا يمكن أن ينتج إلا عن قوى غير الجاذبية. وهو ما يعطي أوّل دليل على أن المادة المظلمة ليست خاملة بل تلاحظ ما يجري حولها وتتأثر به.

الجدير بالذكر أن المادة المظلمة تشكل 85 بالمئة من الكون، وهي تسمى مظلمة لأنها حتى اليوم لم يمكن رصدها إلا عبر تأثيرها الجاذبي في حني الضوء القادم من مجرّات بعيدة أو ما يسمى بعدسة الجاذبية.

وبصرف النظر عن ماهيّة المادة المظلمة، يقر أغلب الفلكيين حقيقة أهمية وجودها في الكون. وكمية المادة “المرئية” في صورتها العادية لا تنتج جاذبية كافية لتفسّر السرعة التي تتحرك بها النجوم داخل المجرات أو التي تتحرك بها المجرات داخل الحشود المجرِّيَّة.

وقد تميط المادة المظلمة لثام هذا اللغز الغامض، لأنها لا تمتصّ الضوء، ولا تشتته، ممّا يجعل وجودها لا ينكشف إلا بقوة الجاذبية في الأحوال العادية. وهناك نظريات مختلفة الاقتراحات عن نوع الجسيم الذي يمتلك هذه الخواص.

ويعشق علماء الفيزياء نظرية “الجزيئات الهائلة ضعيفة التفاعل” عشقا خاصّا. وهي أجسام ثقيلة نسبيّا، حجمها ما بين 1 غيغا فولت إلكتروني أو ما يقارب كتلة بروتون واحد و1.000 تيرا فولت إلكتروني، ولذلك.. تتسم نسبيّا بالبطء، أو “البرودة”.

السويسري فريتز تسفيكي هو أول من طرح وجود المادة المظلمة، في حين كان العلماء يستبعدون حقيقة حضورها

و تتفق هذه الخواص تماما مع أفضل النماذج الحالية لتطوّر الكون، التي تمثل هالات المادة المظلمة الباردة فيها العوامل الرئيسة في تكوين المجرات والحشود المجرِّيَّة. وتطرح الجزيئات الهائلة ضعيفة التفاعل حلولا لمشكلات فرعين منفصلين في الفيزياء، وهما: فيزياء الجسيمات، وعلم الكون.

وقد يساعد استيعاب كتلة الجزيئات الهائلة ضعيفة التفاعل وقوّة تفاعلها مع الجسيمات الأخرى في شرح السبب وراء كتلة جسيم هيجز بوزون، لكن تلك الأرقام تعني أيضا أن الجزيئات الهائلة ضعيفة التفاعل وجدت بالمعدل الصحيح تماما أثناء بدايات الكون، لتحقق غزارة الحديث عن تلك النظرية اليوم. وتلك صدفة تعرف بـ”معجزة الجزيئات الهائلة ضعيفة التفاعل”.

ورغم أن هذه الجزيئات تحتل المرتبة الأولى في قائمة الفيزيائيين للعناصر المطلوبة بشدة، فإنّها ما زالت تقبع في مكان مجهول.

وكان الفلكي السويسري فريتز تسفيكي أوّل من اقترح فكرة وجود المادة المظلمة، في ثلاثينات القرن الماضي، وعلى مدى عقود، كان العلماء يعكفون على إثبات التقليل من حضورها الواسع في الكون، حتى عام 2012 عندما كشفت تقنيات قياس الكتلة الجديدة أن هناك “الكثير” من هذه المادة بالقرب من الشمس.

20