الآباء العاملون لا يتمتعون بالوقت الكافي لمنح أبنائهم أفضل بداية للحياة

المؤسسات في العديد من البلدان بدأت تدرك قيمة سَن سياسات مراعية للأسرة تؤدي إلى زيادة معدلات الاحتفاظ بالموظفين، وتقلص التغيب عن العمل، وتخفض تكاليف توظيف الموظفين.
السبت 2019/06/08
مساواة في الاهتمام لصالح الطفل

كشف تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أنه لا تتوفر سياسات مراعية للأسرة وخاصة للعديد من الوالدين الجديدين في جميع أنحاء العالم؛ ومنها إجازة الوالدين المدفوعة الأجر والاستراحات لتقديم الرضاعة الطبيعية والرعاية النهارية للأطفال والمِنح المخصصة للأطفال. وتدعو المنظمة إلى دفع الاستثمار في السياسات المراعية للأسرة باعتباره أمرا جيدا للأسرة ولقطاع الأعمال وللاقتصاد.

نيويورك- اعتبرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة في آخر تقاريرها التي تهتم بالأسرة أن غياب أو ضعف السياسات التي تراعي الأسرة ورعاية الأطفال خاصة بالنسبة للآباء الجدد في جميع دول العالم يؤدي إلى إضعاف قدرة الوالدين على إقامة رابطة آمنة مع أطفالهم أثناء السنوات الحاسمة الأولى من الحياة حيث تشير الأدلة إلى أنه أذا توفرت للطفل أثناء هذه الفترة تغذية صحيحة وبيئة تسودها المحبة ورعاية محفزة، سيتعزز نماء دماغه ويحصل بالتالي على أفضل بداية للحياة.

ولاحظت المنظمة في تقريرها وجود زخم متنام نحو التغيير حيث بدأ عدد متزايد من الشركات يدرك قيمة استحداث سياسات مراعية للأسرة إذ لا تقتصر عوائد هذه السياسات على تنشئة أطفال أكثر تمتعا بالصحة وأفضل تعليما، وأكثر سعيا نحو تحقيق قدر أكبر من المساواة بين الجنسين والنمو المستدام، بل إنها مرتبطة بإنتاجية أفضل لقوى العمل وقدرة أكبر على اجتذاب الموظفين وتحفيزهم والاحتفاظ بهم.

ورغم الحاجة الماسة إلى استثمارات أكبر في وضع سياسات مراعية للأسرة، لأنها مفيدة وجيدة للأطفال، وللنساء، وللأعمال، وللاقتصاد أيضا إلا أن التقدم في عالم الأعمال وعالم السياسات بطيء جدا.

ودعت اليونيسف الحكومات وقطاع الأعمال إلى إعادة تصميم أماكن العمل للمستقبل، ومساعدة الوالدين لكي يتمكنوا من منح أطفالهم أفضل بداية في الحياة، وفي الوقت نفسه رفع الإنتاجية وتمكين النساء.وتتمثل هذه المساعدة في العديد من المحاور الهامة التي حددها التقرير وهي منح إجازة والدية مدفوعة الأجر لمدة 6 أشهر على الأقل لكلا الوالدين. وتوفير مرافق لتقديم الرضاعة الطبيعية واستراحات مدفوعة الأجر لتقديم الرضاعة الطبيعية للأمهات العائدات إلى العمل، بالإضافة إلى تقديم خدمات رعاية نهارية للأطفال ميسورة الكلفة ويسهل الوصول إليها وجيدة النوعية مع التأكيد على المِنح المخصصة للأطفال لأنها تدعم جميع الأسر التي لديها أطفال.

ويواجه 42 بالمئة من الأطفال دون سن الخامسة (أي ما يناهز 250 مليون طفل) تهديدات بعدم تحقيق إمكاناتهم بسبب الفقر وسوء أوضاع الصحة والتغذية ونقص التحفيز المبكر بالرغم من أن الاستثمار في مرحلة النماء أي في الطفولة المبكرة يعد أحد الأساليب الأكثر فاعلية لتحسين مهارات الأطفال  وقدراتهم، وفي نهاية المطاف إنتاجيتهم.

يدعم الانتقال من المسؤولية الفردية إلى المسؤولية المشتركة تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والمسؤوليات الأسرية
يدعم الانتقال من المسؤولية الفردية إلى المسؤولية المشتركة تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والمسؤوليات الأسرية

ويسعى الآباء والأمهات للقيام بأفضل ما في وسعهم من أجل أطفالهم، لكن لا يتوفر للعديد منهم أي خيار سوى العمل لساعات طويلة. وهذا يعني أن العديد من الوالدين يظلون بعيدين عن المنزل، وتفوتهم فترات مهمة من حياة أطفالهم، أو يفتقرون لإمضاء المزيد من الوقت مع أطفالهم الصغار.

وبحسب الإحصائيات فإن 42 بلدا فقط، تطبق فيها سياسات وطنية توفر للوالدين ومقدمي الرعاية وقتا وموارد من بينها إجازة أمومة لمدة ستة أشهر وإجازة والدية للأب لمدة أربعة أسابيع للعناية بالأطفال.

ويمكن لخدمات رعاية الأسرة والطفل الميسورة الكلفة أن تتيح للنساء المحافظة على مشاركتهن في العمل مدفوع الأجر، وبالتالي المساهمة في الارتقاء بالأسر والاقتصاد والأعمال. ووفقا لتقرير صدر عن شركة مكنزي في عام 2015، من شأن المشاركة المتساوية للنساء في قوى العمل أن تضيف 12 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول العام 2025.

وتعد إمكانية الحصول على خدمات رعاية نهارية للأطفال جيدة النوعية ومستجيبة للنوع الجنساني، ووضع سياسات مراعية للأسرة معنية بالنمو في مرحلة الطفولة المبكرة، أمرين أساسيين لتقليص التفاوت بين الجنسين وتشجيع زيادة المشاركة في المسؤولية بين النساء والرجال.

وتؤدي السياسات المراعية للأسرة إلى زيادة إمكانية عودة المرأة إلى العمل بعد إجازة الأمومة. وتساعد السياسات المحايدة جنسانيا والمتعلقة بالوالدين في التخفيف مما يسمى “ضريبة الأمومة”. كما تتقلص احتمالات ترك النساء لقوى العمل عند توزيع أعمال الرعاية المنزلية وتمكين الآباء من المشاطرة في مسؤوليات تنشئة الأطفال، مما يحُد من فجوة الأجر بين الجنسين، ويحسّن المساواة بين الجنسين.

وبدأت المؤسسات في العديد من البلدان تدرك قيمة سَن سياسات مراعية للأسرة تؤدي إلى زيادة معدلات الاحتفاظ بالموظفين، وتقلص التغيب عن العمل، وتخفض تكاليف توظيف الموظفين. وتتيح هذه السياسات للوالدين العاملين، خصوصا الأمهات، الارتقاء في مسيرتهن المهنية، ما يؤثر بدوره على رفع مستوى انهماك الموظفين بالعمل ومعنوياتهم، ويجعل الشركات في وضع تنافسي أفضل ويمكّنها من اجتذاب المواهب، إضافة إلى تحسين صورتها وتقريبها من المعايير الدولية للاستدامة.

خدمات رعاية الأسرة والطفل الميسورة الكلفة تتيح للنساء المحافظة على العمل والارتقاء بالأسر والاقتصاد والأعمال

وتبعا لنتائج التقرير تنادي اليونيسف بتحقيق زيادة في توفير إجازة والدية كافية، واستراحات لتقديم الرضاعة الطبيعية، ورعاية نهارية للأطفال من نوعية جيدة ومتيسّرة وميسورة الكلفة، ومِنح لدعم الأطفال تُقدمها الحكومات والأعمال.

وتهدف منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى تحقيق جملة من التحولات أبرزها الانتقال من إجازة الأمومة إلى الإجازة “الوالدية” إذ يعد تكريس الوقت والدعم من جميع مقدمي الرعاية الرئيسيين، بمن فيهم الآباء، أمرا مهما لنمو الأطفال الصغار. وهذا التحول يؤسس لتعزيز الرابطة بين الأطفال وبين جميع مقدمي الرعاية.

وتناشد المنظمة التحول من مقولات البنية التحتية إلى الناس وتقول “يجب أن نستثمر في الأسر، وليس فقط في البنى التحتية من قبيل الغرف المخصصة لتقديم الرضاعة الطبيعية، وذلك كي يتمكن الوالدان من توفير الوقت والدعم للأطفال الصغار.

ويدعم الانتقال من المسؤولية الفردية إلى المسؤولية المشتركة تحقيق التوازن بين مسؤوليات العمل والمسؤوليات الأسرية وهذا ليس مسألة شخصية فقط، بل هو مسؤولية مشتركة بين الحكومات وأصحاب العمل والأسر. ويمكن للسياسات المراعية للأسرة أن تساعد في تخفيف حدة إجهاد الوالدين وتعزيز رفاه الوالدين، مما يقود بالتالي إلى نتائج إيجابية أكثر للأطفال.

21