الآباء غير مجبرين على العيش سويا لأجل عيون أبنائهم

يصارع الآباء أنفسهم من أجل اتخاذ قرار نهائي ومصيري لوضع حد نهائي للحياة الزوجية التي باتت لا تطاق بسبب المشاكل، ولا شيء يسبب الأسى الشديد سوى التفكير في انعكاسات الانفصال على الأطفال.
الاثنين 2016/02/22
وجودكما معا لا يريحني بالضرورة

لندن - يتسبب الطلاق في معاناة الأبناء من عدة أعراض عضوية ونفسية يرتبط حجمها وأثرها بشكل كبير بالطريقة التي يتم الانفصال بها، هذا ما أكدته دراسات وتجارب عديدة، إلا أن دراسة حديثة كشفت أن 82 بالمئة من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و22 عاما يفضلون أن ينفصل أباؤهم على البقاء سويا لأجلهم.

وقالت الدراسة التي أجرتها مؤسسة كوم ريس، بالشراكة مع منظمة ريزوليوشن في المملكة المتحدة، إنه من المهم أن نلاحظ أن هذه النتيجة لا تمثل وجهات نظر الأطفال الأصغر سنا، لكنها تعتبر مفيدة في سياق تأثير الطلاق على الأبناء.

ومن جانبه قال مستشار الأسرة دينيس نولز في بيان صدر عن مؤسسة ريزوليوشن “بالطبع، عادة ما يجد الأطفال أن انفصال والديهم أمر مزعج للغاية، ولكن هذه الدراسة توضح أن العديد منهم في النهاية يتمكن من التأقلم مع الوضع والتكيف مع التغيرات الحاصلة في الحياة الأسرية”.

وأوضحت الأخصائية في معالجة شؤون الأسرة أليسون شافر، وهي مؤلفة كتاب “هاني” (العسل) قائلة “لقد تم تدمير الأطفال، يمكن أن تزدهر حياة الأبناء مع والدين مطلقين، على غرار ما يحصل في مختلف أصناف الأسر الأخرى”.

وأضافت “بعض الأطفال يعيشون بشكل جيد جدا مع الأجداد وأحد الوالدين وبعض الأطفال الآخرين يعيشون بشكل جيد جدا مع الآباء المطلقين الذين يعيشون تحت سقف واحد، لنفترض أن العلاقة لا تقوم على الصراع وأن الأطفال يشعرون بنوع من الأمن والسلامة، ويشعرون بالقبول والانتماء. لكن كيف يمكننا أن نفي بهذه الشروط الأساسية التي تعتبر حقا في غاية الأهمية”.

كما بينت شافر قائلة “إنه أمر مضلل أن نفترض أن الطريقة الوحيدة لجعل الأطفال سعداء هي أن يستمر والداهم في العيش سويا تحت سقف واحد، خاصة أن الزيجات ليست كلها جيدة”.

أمر مضلل أن نفترض أن الطريقة الوحيدة لجعل الأطفال سعداء هي أن يستمر والداهما في العيش سويا

وقالت موضحة “الاستماع إليكما وأنتما تتشاجران في كل وقت يعتبر أمرا غير مناسب البتة”. وشبهت ذلك بانتظار وتوقع حالة من الشد العصبي الذي قد يؤدي إلى تمزيق أواصر الروابط الزوجية. وقالت “إنهم غير قادرين على التأقلم مع الحقيقة المقبلة، للأسف، لعبة الانتظار هذه تزيد أيضا من احتمال لوم الأطفال لأنفسهم وكأنهم سبب الفتنة الحاصلة في البيت”.

وأفادت بأن “تكوين النفس البشرية يوضح أن الأطفال أنانيون بطبعهم، وسوف يتهمون أنفسهم بأنهم سبب الشجار. ويبدأون في إلقاء اللوم على أنفسهم: إذا كنت طفلا جيدا ما كانا ليتشاجرا. إذا كنت ألطف ما كانا ليتخصما. إذا لم أسقط من الهوكي ما كانا ليتعاركا. وسوف يسعى الأطفال إلى وضع كل الاحتمالات الممكنة لأسباب الشجار”.

ومن جهة أخرى قالت الأخصائية الاجتماعية سارة ماك لوفلين، مؤلفة كتاب “ما لا يمكن قوله: أدوات الحديث مع الأطفال الصغار”، إن الكثير من الأطفال يعيشون وضعا مناسبا بعد وضع حد للعلاقة بين الأبوين أكثر من ذلك الذي كانوا يعيشونه في ظل علاقة متوترة.

وأضافت “عليهم البحث عن وسيلة تجعلهم طيبين، وإذا لم يكنوا كذلك، على الأقل عليهم أن يكونوا مدنيين. وبالفعل، من الصعب جدا على الأطفال التنقل بين اثنين من العلاقات الأساسية في حياتهم إذا كانت هناك فتنة”.

هذا وأكدت ماك لوفلين، التي تشغل منصب مديرة تثقيف الوالدين في مركز “سنتر فور برانتينغ أند بلاي” في بيدفورد، ولاية ماين، والذي يوفر الموارد وزيارات الدعم للأسر التي تعاني من التشتت والطلاق، أن هذا يؤدي إلى ما يطلق عليه الأخصائيون الاجتماعيون والمعالجون النفسانيون بـ”التناقض”.

وأضافت استنادا إلى تجربتها الشخصية المشابهة لذلك “أشعر بالتعلق بأمي، ولكن أمي لا تقول شيئا عن والدي، كما أني أشعر بالتعلق بوالدي أيضا”. وأوضحت أن هذا يسبب الارتباك لأنه يجعل الأطفال غير قادرين على الاعتماد على أنفسهم. إلى جانب ذلك، عندما يعيش الآباء في ظل تناغم وانسجام فإن ذلك أفضل بالنسبة إليهم، مؤكدة “سوف يخفف عليك الكثير من التوتر والقلق والانزعاج”.

الكثير من الأطفال يعيشون وضعا مناسبا بعد وضع حد للعلاقة بين الأبوين أكثر من ذلك الذي كانوا يعيشونه في ظل علاقة متوترة.

يشار إلى أن دراسة أجرتها عالمة النفس أبيغايل أظهرت أن القناعة بأن طلاق الزوجين هو أسوأ ما يمكن أن يحدث للأطفال، وقلما يشكك أحد اليوم بها، وقناعات أخرى كثيرة حول عواقب الطلاق عبارة عن أسطورة.

استندت ستيوارت في دراستها على بحث شمل 160 أسرة لأزواج مطلقين خلال فترتين زمنيتين، الأولى بعد الانفصال بستة أشهر والثانية بعد سنة من الانفصال. وكان عمر الأطفال المعنيين بين 6 و12 سنة.

ومن خلال المعطيات التي تم الحصول عليها انطلاقا من أسئلة طرحت على الأطفال والأهل وأفلام فيديو تمت من خلالها ملاحظة التفاعل الأسري تم استنتاج أن الصورة غير مرعبة، وأفادت ستيوارت التي تعمل في جامعة ميتشيغان الأميركية قائلة “بل إنه في كثير من الحالات كان استمرار زواج الوالدين هو المأساة بحد ذاته”. وتابعت “يستطيع الأطفال التكيف مع الطلاق بصورة جيدة ولا تصمهم وصمة طلاق الوالدين طوال العمر”.

وقالت الدراسة إنه على الرغم من أن الأطفال قد عانوا من انفصال الوالدين بصورة واضحة في الأشهر الستة بعد الانفصال، إذ كانوا حزانى وغاضبين وعانوا من مشكلات مدرسية أو كانوا أكثر تعرضا للأمراض، إلاّ أنه بعد سنة من الانفصال انطلقوا ثانية، فلم يعودوا يختلفوا في حالتهم النفسية والجسدية عن متوسط أترابهم.

وكشفت ستيوارت أن 15 بالمئة فقط من الأطفال الذين شملتهم الدراسة قد عانوا من مشكلات واضحة بعد سنة من الانفصال. غير أن هذه النسبة لا تعود إلى الانفصال بحد ذاته وإنما إلى وقت الأزمة التي عانى منها الأطفال في مرحلة ما قبل الانفصال.

ولم تفند ستيوارت في كتابها الذي يحمل عنوان “الاتصال المنفصل: كيف يغير الطلاق الأسر” الفرضية واسعة الانتشار والقائلة إن الطلاق بلاء للأطفال فحسب وإنما فرضيات أخرى كثيرة مشابهة، والتي لم يتم إثباتها؛ ومن هذه المقولات على سبيل المثال مقولة “من الأفضل أن تظل الأم مع الأولاد في المنزل بعد الطلاق إذا كانت تعمل”، وتقول ستيوارت إنه ليس هناك من دليل على ذلك بل إنه إذا استمرت الأم في عملها بعد الانفصال فإن حال الأطفال يتحسن بسرعة أكبر.

كما كشفت ستيوارت أن مقولة “ينبغي عدم تغيير مكان إقامة الأولاد ولا مدارسهم بعد الطلاق” خطأ شائع.

21